في سابقة تُسقط مفهوم “الدولة الهيبة”، يقف لبنان الرسمي مكتوف الأيدي أمام عطل في “قسطل مياه”، يغذي مناطق مرجعيون والقليعة، بانتظار “موافقة” من الاحتلال الإسرائيلي للبدء بالإصلاح.
وهنا نسأل بوضوح: هل هذا الأنبوب “مضروب” (جودة سيئة) ، أم تعرض لـ “ضربة” (غارة) عدوانية غادرة؟
إن تمييع المصطلحات لا يغير من الحقيقة المرة شيئاً؛ فالسيادة ممارسة كلية لا تتجزأ، وطلب الإذن من المحتل للتحرك داخل الأراضي اللبنانية هو “خطيئة العمر”، وإعتراف ضمني بسلطة الأمر الواقع.
لقد بقيت الحكومة اللبنانية، ومعها “المجتمع الدولي” والولايات المتحدة، عاجزين طيلة 15 شهراً عن فرض إلتزام بوقف العمليات العدائية، رغم وجود اتفاقات برعاية دولية تحولت إلى “صكوك إستباحة”، تمنح العدو ضوءً أخضر للتحرك في كل لبنان.
وفي حين يلتزم الصمت الرسمي تجاه إحتلال “جبل الشيخ” وضم “مزارع شبعا” فعلياً لمرتفعات الجولان المحتل، نجد السلطة ترهن “نقطة المياه” بقرار من تل أبيب.
فخامة الرئيس، إن من يعجز عن إصلاح مرفق حيوي على أرضه “بقواه الذاتية” – كما يحلو لكم ولرئيس حكومتكم الترداد – هو أعجز من أن يستعيد مساحة الـ 10452 كلم² التي كانت واقعاً سيادياً منذ العام 2006 وحتی 2023.
إن الاندفاع نحو التفاوض بأوامر خارجية لا يعكس قناعة وطنية، فالتاريخ يشهد لكم كقائد جيش بطل لم يفاوض الإرهابيين، بل سحقهم بمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي تدرس اليوم في كبرى الكليات العسكرية.
#السقوط القانوني والارتهان الميداني
إن رهن إصلاح شبكة المياه بموافقة العدو يسقط أهم ركائز اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، وتحديداً المادة (55) و(56)، التي تفرض على “قوة الاحتلال”، واجب تأمين وصيانة الخدمات العامة، والمرافق الصحية والمائية للسكان المدنيين، ولا تمنحها حق منع الدولة صاحبة الأرض من القيام بواجبها.
إن عجزكم عن إنتزاع هذا الحق بقوة المنطق، لا بالإستجداء، يثبت أنكم تتعاملون مع العدوان من منطق الضعف، بالرغم من أن المحتل للأرض واحد، ومقاومته تظل واجباً قانونيًا وشرعيًا وإنسانيًا.
فكيف تسعون للتفاوض مع عدو لم يحترم يومًا “اتفاق 27 نوفمبر”، ويمارس الغدر الممنهج -بالتنسيق مع واشنطن- كما فعل مؤخراً مع إيران؟
إن هذا إحتلال صريح ومباشر للأرض، وليس “حروبًا للآخرين على أرضنا”؛ كما يروج البعض للتهرب من المسؤولية.
ولنفترض جدلاً -وفرض المحال ليس بمحال- أنكم اخترتم المسار الدولي، فقد عجزتم حتى الآن عن تحرير شبر واحد، بالرغم من وجود القرار 1701 الذي يُنتهك صباحًا مساءً أمام أعينكم؛ وبوجود الراعي الأمريكي غير النزيه، والذي أثبت إنه شريك كامل بالعدوان على لبنان، من خلال الدعم السياسي والعسكري اللامحدود للمحتل.
إن المقدمات الميدانية والسياسية تؤدي لنتيجة واحدة: فشل السلطة في تأمين “قسطل مياه” هو دليل قاطع على سقوط خيار الرهان على النوايا الدولية أو “عدالة” المفاوض.
فالسيادة التي لا تُحرَس بالقوة هي سيادة منقوصة، والتفاوض مع عدو يمنع عن أهلنا شربة ماء هو انتحار سياسي.
إن تحرير الأرض وحماية مقومات الحياة تبدأ بقرار شجاع يكسر قيود “الإذن المسبق” ويعيد الاعتبار لكرامة الوطن وإنسانه، بعيداً عن صفقات تُبرم تحت وطأة العطش والاحتلال.
وإنً غدًا لناظره قريب


