مخاض الشرق الأوسط الكبير:حين تتصدّع الهيمنة وتولد المعادلات من رحم النار

مخاض الشرق الأوسط الكبيرحين تتصدّع الهيمنة وتولد المعادلات من رحم النار
تشهد المنطقة تحولات استراتيجية عميقة مع تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود توازنات متعددة، بعد تصعيد عسكري وردود إقليمية أثرت على الطاقة والتحالفات، ما يشير إلى مرحلة انتقالية غير مستقرة نحو نظام إقليمي جديد....

لنبدأ من السؤال الذي لم يعد يحتمل المراوغة: هل المعادلة الإستراتيجية في المنطقة تتغير؟

الجواب ليس نعم فحسب. بل إن كلمة “تتغير” نفسها باتت أقل من الواقع. ما يحدث ليس تعديلاً في التوازنات القائمة، بل تفكّكاً بنيوياً لنظامٍ إقليمي حكم المنطقة لعقود، بينما تتشكّل معادلات جديدة لم تستقر ملامحها بعد.

من يتابع الأحداث بعينٍ باردة، بعيداً عن ضجيج الشاشات وإعلام الحرب النفسية، يلاحظ أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لا يمكن إنكار تحوّلات القوة فيها، لكنها بعيدة كل البعد عن الاستقرار. وكما يصف أحد التقارير التحليلية:  مع بداية 2026، يواجه الشرق الأوسط عاماً يتحدّد ليس باليقين، بل بالتوازن الهش بين الطموحات المتنافسة والصراعات غير المحسومة والتحالفات الهشّة.

ولو عدنا قليلاً إلى الوراء، سنجد أن المنطقة لعقود طويلة كانت خاضعة إلى حد بعيد لإرادة الولايات المتحدة وحلفائها. الكفة العسكرية والسياسية كانت تميل بوضوح لصالح الكيان الصهيوني الذي تحرّك طويلاً في المنطقة بلا حساب حقيقي. كان النظام الإقليمي يقوم على ثلاث ركائز: التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق، والمظلة الأمريكية الشاملة، وعجز الدول العربية والإسلامية عن إنتاج بديل استراتيجي مستقل.

لكن هذا النظام بدأ يتآكل. ليس بضربة واحدة، بل تدريجياً، عبر تراكم التحولات.

قبل الحرب الحالية، كانت القوة الإقليمية موزعة بشكل رئيسي بين تركيا والجمهورية الإسلامية والسعودية وإسرائيل، وكل منها تعتمد على أسس اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية مختلفة. الجمهورية الإسلامية اعتمدت على هويتها الثورية وإرثها الحضاري وتحالفاتها الإقليمية، خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق. أما إسرائيل، رغم محدوديتها الجغرافية والسكانية، فقد امتلكت تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً ساحقاً مدعوماً بالغرب، بينما بقيت معزولة وموضع ارتياب من جيرانها.

ثم جاء السابع من أكتوبر 2023. وحطّمت تلك اللحظة شعور إسرائيل بأنها لا تُقهر.

ما تلا ذلك لم يكن مجرد حرب على غزة. كانت محاولة إسرائيلية — بدعم أمريكي كامل — لإعادة رسم المنطقة بأسرها.  فكرة “تغيير الشرق الأوسط” التي روّج لها نتنياهو بعد هجوم السابع من أكتوبر كانت تعني إعادة تشكيل علاقات القوة الإقليمية لصالح إسرائيل، وعلى مدى عامين من الحرب تصرّفت إسرائيل وكأنها عازمة على الوفاء بذلك الوعد، شاغلةً حروباً متزامنة ضد غزة ولبنان واليمن والجمهورية الإسلامية ثم سوريا.

لكن النتائج؟ في المحصلة، غيّرت الحرب الشرق الأوسط لكنها لم تمنح إسرائيل هيمنة استراتيجية واضحة. أضعفت إسرائيل خصومها لكنها فشلت في إزاحتهم من معادلة توازن القوى الإقليمي.

الحرب على الجمهورية الإسلامية: الرهان الأخير… أم الخطأ الأكبر؟

في فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، قرر الاستكبار أن يلعب ورقته الأخيرة.  أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة ضربة استباقية مشتركة ضد الجمهورية الإسلامية، مستهدفةً عشرات المواقع العسكرية والأمنية والحكومية في أنحاء البلاد. أعلن ترامب أن أهداف العملية تشمل منع الجمهورية الإسلامية من امتلاك أسلحة نووية، وتعطيل برنامجها الصاروخي الباليستي، ومنعها من تشكيل تهديد للولايات المتحدة.

لكن الهدف الحقيقي كان أبعد من ذلك بكثير.  من المنظور الالجمهورية الإسلامية، كان المطلوب هو فرض استسلام غير مشروط على طهران: إنهاء برنامجها النووي، وتقليص قدراتها الصاروخية بشكل جذري، وتفكيك شبكتها الإقليمية من الفاعلين غير الدول. أي باختصار: نزع كل أدوات القوة التي بنتها الجمهورية الإسلامية على مدى أربعة عقود.

ثم جاء الخبر الذي ظنّ المخططون في البنتاغون أنه سيكون الضربة القاضية:  أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الضربات أسفرت عن اغتيال عشرات المسؤولين، على رأسهم قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، ووزير الدفاع عزيز ناصر زاده، ومستشار الأمن القومي علي شمخاني، ورئيس أركان الجيش الإيراني عبد الرحيم موسوي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور.

لحظة واحدة. تأمّلوا هذا: اغتيال المرشد الأعلى ووزير الدفاع ورئيس الأركان وقائد الحرس… في ضربة واحدة. أي مؤسسة في العالم تستطيع أن تفقد كل هذه القيادات دفعة واحدة ولا تنهار؟

ماذا فعلت الجمهورية الإسلامية؟

رد الجمهورية الإسلامية: حين يتحوّل الصمود سلاحاً

لم تنهر. وهذه بحد ذاتها رسالة أكبر من أي صاروخ.

بدت الجمهورية الإسلامية مصممة على الانتقام لمقتل المرشد الأعلى وكبار المسؤولين، وبعد تأكيد مقتل السيد الخامنئي، أعلن الحرس الثوري انتقاماً أطلق عليه “أعنف العمليات الهجومية في تاريخ القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية ضد الأراضي المحتلة وقواعد الإرهابيين الأمريكيين”.

وعلى المستوى الاستراتيجي، كشفت الحرب عن عقيدة الجمهورية الإسلامية الجديدة.  من وجهة نظر الجمهورية الإسلامية، يعمل الصمود بحد ذاته كسلاح استراتيجي. فالجمهورية الإسلامية لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية تقليدية — هذا الانتصار ليس واقعياً ولا ضرورياً. بدلاً من ذلك، يتمثل هدف طهران الاستراتيجي في إطالة أمد الصراع بما يكفي لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالحرب، وتوليد ضغوط عبر أبعاد متعددة: أسواق الطاقة، والملاحة البحرية، والتحالفات الإقليمية، والسياسة الداخلية الأمريكية. بعبارة أخرى، استراتيجية الجمهورية الإسلامية مصممة لتحويل الحرب من مواجهة ميدانية إلى صدمة جيوسياسية اقتصادية متعددة الأبعاد.

وهذا بالضبط ما بدأ يحدث.

مضيق هرمز: السلاح الذي لم تحسب واشنطن حسابه

حين أغلقت الجمهورية الإسلامية مضيق هرمز، لم تكن تقفل ممراً مائياً. كانت تضع يدها على شريان الاقتصاد العالمي.

وأدى إغلاق الجمهورية الإسلامية لمضيق هرمز إلى تعطيل 20% من إمدادات النفط العالمية وأحجام كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.  تسبب الصراع في ارتفاع أسعار نفط برنت من نحو 70 دولاراً إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل خلال أيام. وفي ذروة الأزمة،  قفز سعر برميل برنت إلى 119.50 دولاراً خلال التداولات اللحظية في التاسع من مارس.

الأرقام لا تكذب.  انخفض إنتاج النفط في الكويت والعراق والسعودية والإمارات مجتمعةً بنحو 6.7 مليون برميل يومياً بحلول العاشر من مارس، وبما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً بحلول الثاني عشر منه. إنه أكبر انقطاع في الإمداد في تاريخ سوق النفط العالمي.

كلّفت الحرب دافعي الضرائب الأمريكيين ما يزيد عن 11 مليار دولار في أسبوعها الأول فقط — وهذا الرقم لا يشمل تكاليف التعبئة والحشد العسكري التي سبقت الضربات. و في الأسبوع الأول فقط بعد قصف ترامب للجمهورية الإسلامية، ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 48 سنتاً للغالون. وفي كاليفورنيا،  تجاوزت أسعار البنزين 5 دولارات للغالون خلال الأسبوع الثاني من مارس.

وحين سُئل ترامب عن ذلك، قال إن ارتفاع الأسعار “ثمن زهيد” لسلامة أمريكا والعالم. لكن الاقتصاديين لم يتفقوا معه.  حذّر خبراء أكسفورد للاقتصاد من أنه إذا بلغ متوسط أسعار النفط نحو 140 دولاراً للبرميل لمدة شهرين، فسيكون ذلك كافياً لدفع أجزاء من الاقتصاد العالمي إلى ركود خفيف.

وقال أحد كبار الاقتصاديين في جامعة نورث إيسترن:  “على المدى القصير، سترتفع أسعار النفط والغاز بسبب اضطرابات الإنتاج والنقل. وعلى المدى البعيد، من المرجح أن يُبطئ ذلك النمو في كل مكان، بما فيه الولايات المتحدة، ويضيف إلى الضغوط التضخمية.”

والنتيجة؟ أصبح واضحاً أنه لا يوجد الكثير مما تستطيع الولايات المتحدة أو أي حكومة أخرى فعله لتخفيف ارتفاع الأسعار دون إنهاء الصراع. الأمر يتطلب اختراقاً عسكرياً لإعادة تدفق النفط وخفض أسعار الطاقة. هذا الوضع يختلف جذرياً عن أزمات الأسواق السابقة. النمط الذي اعتاده ترامب — توترات سياسية يعقبها انفراج اقتصادي سريع — قد ينكسر أخيراً. هذه مشكلة لا يستطيع ترامب حلّها بالسياسة الاقتصادية.

هنا بالذات يتجلى التحوّل الاستراتيجي. لم يعد النفط مجرد سلعة. صار سلاحاً. وسيطرة الجمهورية الإسلامية على مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية، تحمل عواقب استراتيجية مباشرة، وتُظهر القدرة الجمهورية الإسلامية على ممارسة ردع اقتصادي وجيوسياسي فعّال ضد الضغوط الخارجية.

المرشد الجديد: حين فشل رهان “الفراغ”

كان الرهان الأمريكي الإسرائيلي واضحاً: اضرب الرأس فينهار الجسد. لكن ما حدث قلب الحسابات.

هناك شكوك حقيقية في الولايات المتحدة وإسرائيل بأن اغتيال السيد الخامنئي ربما عزّز استمرارية النظام الجمهورية الإسلامية لا أضعفه. لأن أي انتقال بعد إستشهاد السيد الخامنئي طبيعياً كان سيكون محفوفاً بالمخاطر في نظام فقد شرعيته إلى حد بعيد بين السكان، مما كان سيثير خلافات داخلية حادة. أما اليوم، فإن تدبير الانتقال في خضم الحرب — حيث يعجز السكان عن الاحتجاج على أي قرارات — قد يكون أسهل، مما يتيح لجهاز الأمن االجمهورية الإسلامية الضخم تثبيت الوضع الجديد لاحقاً.

وهذا ما حدث بالفعل.  تعيين آية الله السيد مجتبى خامنئي مرشداً أعلى ثالثاً للجمهورية الإسلامية من قبل مجلس خبراء القيادة جاء مؤشراً واضحاً على هذا الالتزام بالاستقلال.

ورحّبت فصائل محور المقاومة على نطاق واسع بتعيين السيد مجتبى خامنئي. حزب الله اللبناني، والحوثيون، وعدة ميليشيات عراقية مدعومة من الجمهورية الإسلامية — بما فيها كتائب حزب الله، ومنظمة بدر، وكتائب سيد الشهداء، وحركة حزب الله النجباء — هنأت جميعها الجمهورية الإسلامية على التعيين في بيانات صدرت في الثامن والتاسع من مارس.

محور المقاومة: بين “وحدة الساحات” و”منطق البقاء”

هنا يجب أن نتكلم بواقعية. لأن الصورة أعقد مما يرسمها المتحمسون أو المتشائمون.

الحقيقة أن محور المقاومة تحرّك بالفعل. لكن كيف تحرّك، ولماذا، وما حدود هذا التحرك — هذه أسئلة تستحق التأمل.

منذ السابع من أكتوبر، سعت إسرائيل والولايات المتحدة صراحة ليس فقط إلى اغتيال أفراد في المحور، بل إلى تفكيك الشبكة ككل ونقل بؤرة المواجهة نحو الجمهورية الإسلامية نفسها. وشكّلت حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025 نقطة تحول: فبدلاً من حشد المحور لردّ إقليمي منسّق، أشارت الجمهورية الإسلامية إلى وضعية جديدة: هذه المرة ستتحرك الجمهورية الإسلامية مباشرة وبمفردها. بدا أن طهران تعيد تقييم عقيدتها الأمنية، ومعها مدى اعتمادها على شركائها في ظروف التصعيد المباشر بين الدول.

وفي المقابل:  فاعلو محور المقاومة يعيدون حساباتهم. سنوات من حملات الاغتيال والضغط العسكري المتواصل فكّكت الشبكة، ودفعت أعضاءها نحو منطق بقاء متباين. بالنسبة لبعضهم، يعني البقاء الحفاظ على موطئ قدم سياسي داخل مؤسسات الدولة. وبالنسبة لآخرين، يعني الحفاظ على شرعية المقاومة المسلحة والروابط العابرة للحدود مع الجمهورية الإسلامية.

هذا الواقع لا يعني أن المحور انتهى. لكنه يعني أنه يتحوّل.  “وضع البقاء” لا يشير إلى اختفاء محور المقاومة. بل يشير إلى مرحلة أكثر انتشاراً وغموضاً من المواجهة في السنوات القادمة.

وفي الوقت نفسه، هناك طرف في المحور لم يُكسر بعد.  على عكس حزب الله والفصائل العراقية، لم يتعرض الحوثيون لنفس الدرجة من استهداف قياداتهم العليا. ونتيجة لذلك، لا تزال هياكل صنع القرار لديهم أكثر مركزية وتماسكاً. ورغم أن الحركة تحسب خطواتها لتجنب انتقام ساحق، إلا أن وحدة قيادتها النسبية تمكّنها من استراتيجية بقاء أكثر تعمّداً عبر السيطرة الإقليمية والمواجهة الانتقائية.

الحساب الذي لم تجره واشنطن: التكلفة الحقيقية

هناك وجه آخر لهذه المعادلة لا تحب واشنطن الحديث عنه: التكلفة البشرية.

بحسب وزارة الصحة الجمهورية الإسلامية، قُتل ما لا يقل عن 1444 إيرانياً حتى الثالث عشر من مارس، بينهم 168 طفلاً على الأقل قُتلوا في ضربة على مدرسة ابتدائية تشير التقارير الأولية إلى أن الولايات المتحدة نفذتها.  كما أسفر القصف الإسرائيلي للبنان عن مقتل أكثر من 600 شخص وتشريد أكثر من 800 ألف.

مدرسة ابتدائية. 168 طفلاً. لنتأمل هذا الرقم طويلاً قبل أن نسمع أي حديث عن “حروب جراحية” و”ضربات دقيقة”.

أشار تقرير لصحيفة نيويورك تايمز إلى أن نتائج أولية لتحقيق جارٍ تُفيد بأن الضربة على المدرسة نُفذت بناءً على بيانات استهداف قديمة. ووصف خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الضربة بأنها جريمة حرب محتملة بموجب نظام روما الأساسي.

هل يستطيع المخطط الاستراتيجي في البنتاغون أن يشرح لأمهات هؤلاء الأطفال كيف أن اغتيالهم كان ضرورياً لـ”أمن العالم الحر”؟

المشهد الدولي: لماذا لم تعد أمريكا وحدها من يقرر؟

وهنا ننتقل إلى البعد الدولي الذي يعيد تشكيل المعادلة بصمت.

حشدت الصين رسمياً أصولاً بحرية من قاعدتها في جيبوتي ونشرتها في مضيق هرمز، للعمل مع الروس كقوات مراقبة عسكرية في أزمة المضيق، وكذلك كرادع ضد أي هجوم بحري واسع النطاق من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل قد يهدد أمن السواحل الالجمهورية الإسلامية والسفن المحايدة.  تحاول الجمهورية الإسلامية في الوقت نفسه حماية ما تبقى من برنامجها النووي وتعمل على استعادة قدرات الكشف والدفاع الجوي. وعلى خلاف تقارير أجهزة الاستخبارات الغربية حول تدمير منشآت الإنتاج الأساسية، نجحت طهران في شراء خلاطات كوكبية جديدة لوقود الصواريخ الصلب من شركاء خارجيين. وتركيز الحرس الثوري على إنتاج الصواريخ يشير إلى استراتيجية “ردع بالحجم” تهدف إلى إغراق منظومات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية والأمريكية في أي صراع مستقبلي.

والأهم من كل ذلك:  رغم الأضرار الجسيمة، حافظت الجمهورية الإسلامية على خبراتها الجوهرية ومن المرجح أنها احتفظت باليورانيوم المخصّب، بينما تسارع جهود إعادة بناء الردع بدعم روسي وصيني. كشفت الحرب عن نقاط ضعف الجمهورية الإسلامية لكنها لم تُنهِ الجمهورية الإسلامية كقوة إقليمية.

ما الذي يعنيه كل هذا؟ قراءة في الصورة الكبرى

لنعد الآن إلى السؤال المركزي: هل المعادلة الاستراتيجية تتغير؟

نعم. تتغير بعمق. لكن ليس بالطريقة المبسّطة التي يتصورها المتحمسون في أي من الطرفين.

ما يحدث هو تآكل نظام الهيمنة أحادية القطب. الكيان الصهيوني لم يعد يتحرك في المنطقة بلا حساب. والولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض قراراتها كما كان يحدث سابقاً.  كما لاحظ أحد المحللين: “نحن نشهد بروز شرق أوسط ما بعد أمريكي. الدول لم تعد تسأل ما الذي تفكر فيه واشنطن، بل تسأل ما الذي يخشاه الآخرون.”

لكن في المقابل، هذا التغيّر لا يعني أن الطريق أصبح سهلاً أو أن المنطقة دخلت مرحلة استقرار. بالعكس تماماً. كلما اهتزت الهيمنة القديمة ازدادت ردود الفعل من القوى المتضررة. ولهذا نرى حرباً مفتوحة بدلاً من ضغوط ناعمة، واغتيالات بدلاً من عقوبات، وقصف مدن بدلاً من مفاوضات. هذه طبيعة المراحل الانتقالية في السياسة الدولية: حين يشعر النظام القديم بأنه يفقد قبضته، يلجأ إلى أعنف أدواته.

يمكن أن ينتقل الشرق الأوسط في 2026 إلى السلام والاستقرار، أو — وهو الأرجح — أن ينزلق مجدداً إلى اشتعال إقليمي. الصراعات في غزة ولبنان وليبيا والسودان واليمن، وكذلك الانقسامات السياسية في اليمن والعراق وسوريا، من غير المرجح أن تُحلّ بالكامل في 2026.

وهناك إشكاليات لا يمكن تجاهلها. بعض القوى الإقليمية تخشى من صعود أي محور فتدخل في تحالفات مضادة.  الأهداف الاستراتيجية المتباينة للرياض وأبو ظبي بلغت مرحلة حرجة في اليمن والسودان، حيث تحرّك المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً نحو الانفصال الرسمي في أواخر 2025، مما شكّل تحدياً مباشراً لتفضيل السعودية يمناً موحداً. والتنافس الدبلوماسي القائم تطوّر إلى منافسة هيكلية على الهيمنة الإقليمية.

خلاصة: مخاض ليس له نهاية واضحة… لكن ملامحه تتّضح

المنطقة تعيش مخاض تحوّل تاريخي. النظام القديم يتراجع لكنه لم يسقط. والنظام الجديد يتشكّل لكنه لم يكتمل. وبين الاثنين ثمة دم وفوضى وحسابات خاطئة من كل الأطراف.

لكن هناك حقائق لم تعد قابلة للإنكار:

أولاً: لم يعد بإمكان قوة واحدة — مهما بلغت ترسانتها — أن تفرض إرادتها المطلقة على هذه المنطقة.  “القيد الحقيقي هو الإرادة السياسية الداخلية والأولويات الاستراتيجية. مسرح الجمهورية الإسلامية-إسرائيل يختبر قدرة واشنطن على مواءمة استراتيجيتها الدفاعية مع شهية عامة محدودة لصراع شرق أوسطي مفتوح آخر.”

ثانياً: كسر احتكار القوة الذي كان قائماً لعقود صار حقيقة واقعة. قد لا يُعجب هذا الكثيرين في واشنطن وتل أبيب، لكنه واقع يفرض نفسه يوماً بعد يوم.

ثالثاً: الشعوب التي تقاوم لا تُهزم باغتيال قادتها. هذا ليس شعاراً. هذا درس التاريخ الذي تنساه كل إمبراطورية ثم تدفع ثمن نسيانه.

والله أعلم بما ستؤول إليه الأمور في الأشهر القادمة. لكن المؤكد أن المنطقة لم تعد كما كانت. ومن يظن أن بإمكانه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بالقنابل والاغتيالات — فليسأل التاريخ عن مصير كل من حاول ذلك قبله.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *