رياح أوروبا ومجموعة السبع لم تأتِ بما يشتهيه ترامب

رياح أوروبا ومجموعة السبع لم تأتِ بما يشتهيه ترامب
رفضت الدول الأوروبية الانخراط عسكرياً في الحرب ضد إيران أو تشكيل قوة بحرية لفتح مضيق هرمز، ما شكّل انتكاسة دبلوماسية لواشنطن، بينما نجحت طهران في فرض معادلات جديدة قد تتحول إلى قيود جيو-اقتصادية دائمة....

مَرَّ قرابة شهر على اندلاع الحرب التي أججتها اميركا وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما زال الخذلان الذي استشعره الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتعاظم جَرَّاء الموقف الأوروبي حيال طلبه المساعدة بتشكيل قوة بحرية لمساندته لفتح مضيق هرمز المُغلق.

بالأمس، خرج اجتماع وزراء خارجية دول السبع في فرنسا بمخرجاتٍ حملت رسالة صادمة لترامب. ففي الوقت الذي كان يترقب دعماً غربياً لمساندته في فتح المضيق، جاء الموقف الأوروبي بارداً وحاسما: “هذه ليست حربنا”.

اجتماع وزراء خارجية الدول السبع (أميركا، بريطانيا، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، واليابان) الذين إلتأم شملهم في الريف الفرنسي الجمعة، بحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي (كايا كالاس)، يبدو انه لم تأتِ رياحُهُ بما كان يشتهيه ترامب.

ففي الوقت الذي كانت المساعي الأميركية المعلنة تدفع صوب تشكيل حشد بحري يدعم حرب ترامب ونتنياهو ضد ايران ويسهم في فتح مضيق هرمز، خرج الاجتماع ببيان إكتفى بالتأكيد على “الضرورة المطلقة لاستعادة حرية الملاحة الآمنة والخالية من الرسوم بشكل دائم” في المضيق، في ابتعادٍ واضحٍ عن تقديم أيَّ إلتزاماتٍ عسكريةٍ وفوريةٍ لترامب وحربه.

ولعل ما زاد من حنق ترامب وغيظه، هو ان البيان المشترك للدول السبع (باستثناء واشنطن) طالب الإدارة الأميركية بـ”الإفصاح الحقيقي عن أهداف هذه الحرب”، بعد مضي أسابيع على تأجيجها في الشرق الاوسط، مطالبين بالكشف عن طبيعة تلك الاهداف والأسباب التي دعت اليها.

ويبدو أن صلابة الموقف الأوروبي الرافض للانخراط المباشر في حرب ترامب ونتنياهو جسدته التصريحات الجانبية التي صدرت عن القادة الأوروبيين في ظل الاجتماع، كاشفةً عن ان أوروبا تنأى بنفسها عن الولوغ في مستنقع الحرب.

فرنسا أبدت موقفها الواضح على لسان الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) المشدد بأن باريس ” لن تكون طرفاً في النزاع أبداً، ولن تشارك في عمليات فتح أو تحرير مضيق هرمز في السياق الراهن”، مشترطاً أن أية مهمة لمرافقة السفن يجب أن تتم بعد انتهاء الحرب، معللاً ذلك بأنَّ “الظروف الراهنة غير مهيأة” لتنفيذ مهام حربية لحماية التجارة البحرية بالمضيق نظراً لكونه “منطقة حرب”.

كذلك، رفض المستشار الألماني (فريدريش ميرتس) الدعوات الأميركية، مؤكداً أن برلين “لن تتحرك دون تفويضٍ من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الناتو”، في قاطعية ألمانيةٍ واضحة بعدم المشاركة في حرب واشنطن وتل ابيب ضد طهران.

الجانب الألماني، سخر من ترامب متسائلا : “ما الذي يتوقعه ترامب من بضعة فرقاطات أوروبية في مضيق هرمز، فهل ستحقق ما لم تستطع البحرية الأميركية القوية من إنجازه بمفردها”، في تهكمٍ واضح ٍمن طلب ترامب العونَ من أوروبا.

بريطانيا الحليف التاريخي لأميركا، لم تدخر هي الاخر وسعاً في مضاعفة خيبة الامل لدى ترامب، حيث كان رد رئيس الوزراء البريطاني (كير ستارمر) حازماً من ان لندن “لن تنجر لحرب واسعة”، في إشارة الى بريطانيا تبحث مع الشركاء الأوروبيين ودول المنطقة في إطار خطة جماعية لاستعادة حرية الملاحة في الممر المائي الاستراتيجي، وهم يحثون الخطى نحو ذلك.

على اية حال، ما يلوح في الأفق، يكشف حجم الفشل الدبلوماسي الذي تعرضت له إدارة ترامب، ففي الماضي القريب بذلت واشنطن جهوداً جبارة حتى اسفرت عن تشكيل تحالفٍ لم ينجح بشكل كاملٍ في فرض حمايةٍ للملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، على الرغم  من مشاركة العديد من البلدان فيه (تحالف ازدهار)، حيث بقي الحوثيون يفرضون سطوتهم على المضيق لحين بدء سريان وقف اطلاق النار في غزة.

وهذه المرة، فشلت الإدارة الأميركية في دفع الأطراف الأوروبية لتشكيل تحالفٍ لحماية الملاحة في مضيق هرمز، إذْ لم تنضم أيَّة دولة أوروبية كبرى إلى المهمة العسكرية التي اقترحها ترامب.

المهم، أوروبا، لم يستشرها ترامب في قراره بتأجيج الحرب ضد ايران،  كما لَحِقَ بإقتصادياتها أفدح الخسائر جراء ذلك، وأمست تعاني أزمة طاقة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، فعلى ما يبدو أنها ترد لترامب الصفعة لعدم استشارتها في الحرب، وبنفس الوقت تتشفى به لقاءَ مضاعفته الرسوم الكمركية التي فرضها على أوروبا منذ عودته للرئاسة حينما اجهز بحماقته على علاقات واشنطن التاريخية مع حلفائها التقليديين.

عموماً ، ورغم الموقف الأوروبي الحالي، إلاَّ ان من غير المستبعد أن تُستَجد وقائع وسيناريوهات بفعل الاصطراع قد تحمل أوروبا لتعديل موقفها، فمجريات خنق الاقتصاد والطاقة الأوروبيين جراء الحرب، واحتمالات إستطالة أمدها، قد يدفعهم للتدخل عبر ارسال وحدات بحرية محدودة للمشاركة، وفقاً للمستجدات الميدانية كـالانزالات والتوغلات الأميركية المتوقعة بجغرافية الحرب، والمرجح ان مثل هذه الوحدات ستقتصر على تأمين الممر الملاحي خلال مرحلة ما بعد الحرب.

بكل الأحوال، إيران، وبعد أسابيع على الحرب، نجحت في فرض معادلة جديدة في مضيق هرمز إقتضتها ضرورات الحرب من الناحية اللوجستية. والمتوقع، ان هذه المقتضيات في طريقها لتتحول الى قيودٍ (جيوـ اقتصادية) دائمة، وبمقاسات جديدة ستفرضها طهران، ربما بعد انتهاء الحرب، ربما عبر فرض رسوم عبور على السفن والناقلات والصهاريج البحرية، لِتُدِّرَ استثماراتٍ وعوائدَ ماليةٍ، قد تكون شبيهة بنموذج قناة السويس وقناة بنما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *