في الوقت الذي تحبس فيه عواصم الطاقة أنفاسها وهي تراقب برميل النفط يتجاوز عتبة الـ 90 دولاراً نتيجة “طبول الحرب” المدوية بين واشنطن وطهران، يقف العراق في مشهد تراجيدي فريد؛ فهو البلد الذي يمتلك رابع أكبر احتياطي عالمي، لكنه اليوم “أغنى فقير” في المنطقة. إن انخفاض الصادرات العراقية إلى أقل من 10% ليس مجرد تعثر فني، بل هو إعلان رسمي عن نهاية حقبة “الرفاه الكاذب” التي استندت إلى رمال ريعية متحركة، لتبدأ مرحلة “الارتطام العنيف” بالواقع المرير: بلد بلا تصدير، وبلا حكومة، وفي قلب “فوهة البركان”.
اولاً: الجغرافيا الملتهبة.. “هرمز” كحبل مشنقة للاقتصاد
لقد تحولت جغرافيا العراق من “رئة اقتصادية” إلى “قيد سياسي” محكم. فمع اندلاع المواجهة المباشرة ورد طهران العنيف على دول الخليج وإسرائيل، تحول مضيق هرمز إلى منطقة عمليات عسكرية محرمة، مما أدى إلى “شلل كامل” في شريان التصدير الجنوبي الذي يغذي 90% من موازنة البلاد.
الارتهان القسري: يجد العراق نفسه اليوم محاصراً بجغرافيا لا يسيطر عليها؛ فالنفط الذي يتدفق بغزارة من حقول البصرة ينتهي به المطاف “سجيناً” في الفاو أو عالقاً في ناقلات لا تجرؤ على عبور المضيق. هذا الانقطاع القسري أخرج العراق من معادلة “الاستفادة من الأزمات”، فبينما يربح الآخرون من ارتفاع الأسعار، يخسر العراق قدرته على البقاء.
المفارقة المؤلمة: بينما تشتعل الأسعار العالمية وتتجاوز الـ 90 دولاراً، تعجز بغداد عن تأمين “دولار واحد” إضافي لتغطية العجز التجاري، ليتحول الارتفاع السعري من فرصة لإنقاذ الموازنة إلى صدمة ترفع تكلفة الاستيراد وتخنق الأسواق المحلية التي تفتقر للإنتاج الوطني.
ثانياً: “المقرات” بدلاً من “الموازنة”.. السيادة التائهة في ساحة التصفيات
لم تكتفِ الأزمة بالخناق الاقتصادي عند المضيق، بل امتدت لتطال “قلب الدولة” عبر قصف مقرات الحشد الشعبي، مما كرس واقعاً جديداً: العراق ليس أكثر من “ساحة تصفية حسابات” مكشوفة في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
السفينة بلا ربان: وسط هذا الدخان الكثيف، يقبع العراق في نفق “انسداد سياسي” مظلم؛ حيث أدت أزمة تشكيل الحكومة إلى غياب سلطة تنفيذية قادرة على إدارة الأزمة أو التفاوض مع القوى الدولية لتحييد الاقتصاد عن الصراع. إن غياب “الرأس السياسي” جعل من الدولة جسداً مشلولاً يتلقى الضربات دون القدرة على الرد أو الحماية.
ضياع البوصلة: إن انشغال القوى السياسية بـ “المحاصصة” وتوزيع الحصص الحكومية في وقت تنهار فيه الصادرات بنسبة 90%، يعكس انفصالاً انتحارياً عن الواقع. فكيف يمكن للقوى السياسية أن تتصارع على “كرسي الحكم” بينما “خزينة الحكم” تحترق بنيران الصواريخ؟ إن “بوصلة بغداد” باتت تدور بعشوائية، فلا هي استطاعت تأمين المسارات النفطية، ولا هي نجحت في حماية مقراتها من التحول إلى أهداف عسكرية.
ثالثاً: ارتطام الرواتب وانفجار “الشارع” المؤجل
إن استمرار “اعتقال النفط” خلف قضبان الحرب يعني أن العراق يتجه بسرعة الصاروخ نحو “حائط الصد الاقتصادي”. فموازنة الرواتب والخدمات التي تعتمد كلياً على مبيعات النفط، باتت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار التام.
نهاية التخدير العام: لعقود، تم تخدير الشارع العراقي بوهم الاستقرار المبني على الرواتب الحكومية. اليوم، ومع توقف التصدير، سينتهي هذا “الرفاه الكاذب” ليصطدم المواطن بحقيقة أن دولته “رهينة مكسورة” لا تملك من ثروتها إلا الأرقام الورقية.
الخلاصة: إن النفط الحبيس في الآبار هو أبلغ تعبير عن “السيادة المسلوبة”؛ فالثروة موجودة تحت الأقدام، والطلب العالمي في ذروته، لكن “الأقفال” في هرمز والمفاتيح ضائعة في دهاليز الصراع بين واشنطن وطهران. العراق اليوم يدفع ضريبة كونه “ممر طاقة” في منطقة قررت تحويل الطاقة إلى سلاح دمار شامل.
الخاتمة: إن “طبول الحرب” التي تقرع في المنطقة ليست مجرد تهديد أمني، بل هي “ناقوس خطر” لزوال الدولة الريعية. إذا لم يتم فك “الارتهان القسري” للنفط وتشكيل حكومة إنقاذ تتجاوز منطق المغانم، فإن العراق لن يجد نفسه خارج خارطة الطاقة فحسب، بل ربما خارج خارطة الاستقرار لسنوات طويلة. لقد انتهى زمن الرفاه الكاذب، وبدأ زمن اعادة الحسابات.


