الاستراتيجية الامريكية نحو بلقنة ايران

الاستراتيجية الامريكية نحو بلقنة ايران
تركز الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية على تفكيك إيران داخليًا عبر استغلال التنوع العرقي لإضعاف السلطة المركزية، مستندةً إلى الضربات الجوية والشراكات المحلية، مع احتمالات كبيرة لانفلات الأوضاع وارتدادات إقليمية واسعة....

تتمحور الاستراتيجية الأمريكية تجاه ايران حول ما يُعرف بـ “بلقنة إيران” (أي تقسيمها إلى دويلات عرقية أو طائفية صغيرة) باستغلال التنوع العرقي والاجتماعي داخل إيران لإضعاف السلطة المركزية، فبينما تعتمد الحملة الأمريكية -الإسرائيلية الحالية بشكل أساسي على الضربات الجوية لإضعاف القيادة الإيرانية وبنيتها التحتية وقدراتها العسكرية، تشير تقارير حديثة إلى أن البيت الأبيض يسعى أيضاً إلى إقامة شراكات مع جهات محلية. وتهدف هذه الخطوة إلى تحقيق  واشنطن هدفها المعلن بإحداث انتقال سياسي في إيران. ولكن، إذا قررت الولايات المتحدة دعم حركات التمرد بين الأقليات الإيرانية كجزء من هذه الاستراتيجية، فإنها تُخاطر بتفتيت إيران إلى دويلات ستكون متناحرة، غير مستقرة، ومعادية لبعضها البعض. على غرار تجزئة  يوغسلافيا وتهدد بإشعال نزاع عرقي ذي عواقب إقليمية وخيمة محتملة. وتعتمد الاستراتيجية على إضعاف الحكومة المركزية الإيرانية وإمكانية تنفيذ عمليات برية دون تدخل مباشر من قوات أمريكية أو إسرائيلية كبيرة.

وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد بررتا الحملة على إيران بحماية بلديهما والعالم أجمع من التهديد النووي. وزُعم أن إيران تمكنت سرًا من تكديس كمية كافية من اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة النووية لصنع 11 قنبلة ذرية. إلا أنه بعد أسبوع من القصف، اتضح أن التهديد النووي لم يكن السبب الوحيد.

ويرى رئيس تحرير مجلة “روسيا في السياسة الدولية” فيودور لوكيانوف هناك عاملان يجب أن يُحددا ـ في  نهاية المطاف ـ ملامح المنطقة الشرق أوسطية الكبرى: الهيمنة العسكرية الإسرائيلية على المنطقة بأكملها، والترابط المالي والاقتصادي الإسرائيلي مع دول الخليج العربية، والذي ستجني منه الولايات المتحدة حصة كبيرة من المكاسب. وتبقى تركيا لاعبًا مستقلاً، ولكنها عضو في حلف الناتو ولديها نفوذ. ثانيًا، هناك أصوات في إسرائيل تُشير إلى أن المرحلة التالية ستتضمن تسوية العلاقات مع أنقرة.

ويرى أن إسرائيل مهتمة بسيناريو جذري، يشمل تفكيك إيران بشكلها الحالي، ليس فقط سياسياً بل أيضاً على الصعيد الإقليمي. مع ذلك، يُعدّ القضاء على النفوذ العسكري والسياسي لقيادة إيران الدينية هدفا واضحا. لكن حتى بافتراض هزيمة إيران العسكرية ستكون سريعةً نسبياً، فسيبقى المستقبل غامضاً. فمثال العراق عام ٢٠٠٣، حين بدأت المشاكل الكبرى بعد إعلان جورج دبليو بوش النصر العسكري مباشرة، لا يبشر بالخير. تُفضّل واشنطن سيناريو سوريا بعد سقوط عائلة الأسد: حيث أثبت الإسلاميون الذين وصلوا إلى السلطة قدرتهم واستعدادهم للتفاوض. لكن، أولاً، يُرجّح أن يكون هذا ضربة حظ خاطفة؛ ثانياً، العملية لم تكتمل بعد؛ ثالثاً، النطاق الآن مختلف تماماً.

وحسب قراءته تُعد الحرب على إيران المرحلة الأخيرة من تفكك الشرق الأوسط كما ظهر في القرن العشرين، خلال فترة انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية. ويمكن اعتبار عملية عاصفة الصحراء، التي شُنّت قبل 35 عامًا، نقطة انطلاق هذه المرحلة، وهي أول هجوم أمريكي على العراق لتحرير الكويت من احتلال صدام حسين. وقد وقعت هذه الأحداث في منعطف حاسم في العلاقات الدولية: نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وبزوغ هيمنة الولايات المتحدة على العالم.

ويمضي بالقول : كل ما تلا ذلك – الهجمات الإسلامية على نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001، والحرب العالمية على الإرهاب، والعملية الانتقامية في أفغانستان، وغزو العراق عام 2003، والربيع العربي، والتدخل في ليبيا، والتحريض على الحرب الأهلية في سوريا، وغيرها – كان بمثابة انزلاق في دوامة، وفقدان سريع للسيطرة على مجريات الأمور. أصبحت السياسة الأمريكية (وبالتالي سياسات الدول الأخرى) رد فعلٍ على التغيرات المتسارعة، ووجدت الولايات المتحدة نفسها عالقة بين ضرورة الخروج من فخ صنعته بنفسها، واستحالة ذلك دون المخاطرة بفقدان نفوذها، ليس فقط في الشرق الأوسط.

ولكن ما تزال إيران أقوى دولة دخلت معها الولايات المتحدة في نزاع مباشر منذ الحرب العالمية الثانية. لا يتعلق الأمر هنا بالقدرات العسكرية فحسب، بل بالإمكانات الشاملة والحجم والإرث. ومحاولة زعزعة ركن آخر من أركان النسيج الإقليمي (بعد مراكز تاريخية وثقافية كبغداد ودمشق) تنذر بعواقب وخيمة، بغض النظر عن كيفية انتهاء المرحلة الهجومية.                      

ومن خصائص الحملة الراهنة، بلغ تجاهل الإجراءات القانونية مستوى جديداً. ففي الفترة التي سبقت غزو العراق، سعت الإدارة الأمريكية مع ذلك إلى الحصول على موافقة، سواء على الصعيد المحلي أو في مجلس الأمن الدولي. لكن الولايات المتحدة وإسرائيل تُمارسان القوة الصارخة في العلاقات الدولية، مُبررتين افعالهما بشكلٍ شبه علني. وتُعيد التهديدات الموجهة ضد العديد من الدول إلى الأذهان حقبةً تعود إلى قرونٍ مضت، إلى عصرٍ كانت فيه الطقوس الدبلوماسية تُعتبر غير ضرورية. ولا تزال الولايات المتحدة تُحدد مسار السياسة العالمية، ونحن ننتظر من سيُقلدها.

وضمن هذا السياق يلفت الى أن الضربة الإسرائيلية التي استهدفت المرشد الأعلى الإيراني وعائلته بأكملها وجزء كبير من القيادة العسكرية، والتي حظيت بتأييدٍ علني من الولايات المتحدة، تستحق اهتمامًا خاصًا. فهذه الممارسة، التي أتقنتها إسرائيل منذ زمنٍ طويل ضد قادة الجماعات الفلسطينية وشبه العسكرية  المسماة بمحور المقاومة، لم تُستخدم قط ضد رؤساء دول معترف بهم دوليًا. وتعتمد الاستنتاجات التي يتوصل إليها قادة الدول المختلفة التي هي في نزاع مع إسرائيل والولايات المتحدة، أو التي تُخاطر بمثل هذا الصراع، على قدراتهم. لكن لقادة القوى النووية غير الحليفة للولايات المتحدة الحق في إدراك الأهمية الاستثنائية ليس فقط لامتلاك ترسانة، بل أيضاً للاستعداد لاستخدامها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *