المقدمة:
دخلت الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أسبوعها الثالث، ومع استمرار القصف والاشتباكات، تتضح ملامح مشهد جديد في المنطقة. فبينما تنشغل واشنطن في مستنقع الشرق الأوسط، تبرز موسكو وبكين كلاعبين رئيسيين يحققان مكاسب اقتصادية وجيوسياسية، فيما تحاول إيران أن تُظهر قدرتها على الصمود، بل وتحوّل الضربات إلى فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي.
إيران: من الدفاع إلى الهجوم
إيران لم تكتف بإغلاق مضيق هرمز وفرض شروط مرور الناقلات، بل صعّدت أكثر عبر استهداف تل أبيب بصواريخ دقيقة، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من المدينة وتحويلها إلى ركام في مشهد غير مسبوق منذ عقود. هذه الضربات، رغم الردود العسكرية الإسرائيلية، أظهرت أن القدرات الصاروخية الإيرانية قادرة على الوصول إلى عمق الكيان الإسرائيلي، وأنها ليست مجرد تهديد نظري بل قوة عملية.
كلما ازدادت الضربات على إيران، بدا أنها أكثر تماسكا، إذ تحولت صور الدمار في طهران إلى رمز للصمود الشعبي، وارتفعت موجات التأييد الجماهيري داخلياً وخارجياً. هذا الالتفاف الشعبي يمنح إيران قوة معنوية إضافية، ويجعل أي محاولة لإضعافها تأتي بنتائج عكسية.
الأخطر أن توسع الحرب بات يطال العراق ولبنان واليمن لاحقا بشكل مباشر. ففي العراق، الاعتداءات السافرة على الجيش والحشد الشعبي أدت إلى سقوط ضحايا وتدمير مواقع عسكرية، ما يُنذر بانخراط بغداد بشكل أوسع في المواجهة. وفي لبنان، تصاعدت الاشتباكات على الحدود، حيث انفتحت جبهة جديدة ضد إسرائيل، ما جعلها أمام استنزاف متعدد الاتجاهات. أما اليمن، فاحتمال انخراطه في الحرب عبر استهداف الممرات البحرية في البحر الأحمر أو ضرب العمق السعودي والإماراتي يفتح الباب أمام تصعيد خطير، يزيد من تعقيد المشهد ويضع واشنطن وحلفاءها أمام تحديات إضافية.
روسيا: أرباح النفط واستنزاف واشنطن
– طفرة أسعار النفط: تعطّل تدفق 20 مليون برميل يومياً رفع الأسعار فوق 120 دولاراً، ما منح روسيا مليارات إضافية لتمويل حربها في أوكرانيا.
– عودة الهند وأوروبا إلى السوق الروسية: واشنطن منحت نيودلهي وكذلك بعض الدول الأوروبية تنازلات مؤقتة لاستيراد النفط الروسي، في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة العالمية. هذه الخطوة أعادت روسيا إلى موقع المورد المفضل في آسيا وأوروبا على حد سواء.
– نافذة دبلوماسية: بوتين طرح نفسه وسيطاً، مقدماً مقترحات لوقف التصعيد، ما يعزز صورة روسيا كقوة مؤثرة في الخليج.
– استنزاف واشنطن عسكرياً: الاستخدام المكثف لصواريخ “باتريوت” ضد إيران يحد من قدرة الولايات المتحدة على دعم أوكرانيا لاحقاً.
الصين: اختراق دفاعي ومكاسب استراتيجية
– صفقة الدرونز مع السعودية: الرياض وقعت اتفاقاً بقيمة 5 مليارات دولار لإنشاء خط إنتاج لطائرات “وينغ لونغ-3” في جدة، مع نقل التكنولوجيا.
– مرونة في إدارة الطاقة: الصين تعتمد على المخزون الاستراتيجي والتحول إلى روسيا لتخفيف أثر الصدمة النفطية.
– انعكاسات على ملف تايوان: تورط واشنطن في الشرق الأوسط يمنح بكين فرصة أكبر لتعزيز موقفها في شرق آسيا، وربما اختبار حدود الدعم الأمريكي لتايوان.
سيناريوهات الحرب: إلى أين؟
- تسوية محدودة: وقف إطلاق نار بوساطة دولية، مع بقاء إيران قوية في نظر جمهورها، وقدرتها على فرض شروطها.
- تصعيد إقليمي: توسع الحرب ليشمل ضربات على منشآت النفط والغاز في الخليج، مع انخراط العراق ولبنان واليمن بشكل مباشر، ما يرفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة ويضاعف أرباح روسيا ويمنح الصين فرصة أكبر لإعادة تشكيل السوق العالمية، بينما تُظهر إيران قدرتها على تهديد مصالح خصومها.
- ضبابية الحسم العسكري الأمريكي: رغم امتلاك واشنطن تفوقاً عسكرياً، فإن تحقيق حسم كامل ضد إيران يبدو بعيد المنال، ومكلفاً إلى درجة تجعل نتائجه غير مؤكدة. هذه الضبابية تضع الولايات المتحدة في مواجهة استنزاف طويل الأمد، وهو ما يصب في مصلحة موسكو وبكين، ويمنح إيران فرصة لتقديم نفسها كقوة مقاومة لا تُهزم.
الخاتمة:
حرب الخليج 2026 ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي معركة على النفوذ العالمي. روسيا تجني عائدات نفطية ضخمة وتستعيد موقعها كمورد رئيسي لكل من آسيا وأوروبا بفضل التنازلات الأمريكية المؤقتة، فيما تخترق الصين الدفاع الخليجي وتوسع نفوذها الاقتصادي والسياسي، مع مكاسب إضافية في ملف تايوان. أما إيران، فقد أغلقت مضيق هرمز، ووجهت ضربات صاروخية قلبت تل أبيب إلى ركام، وأظهرت أنها قادرة على الصمود والمناورة، بل وأن الضغوط تزيدها قوة وتأييداً جماهيرياً واسعاً.
ومع امتداد الحرب إلى العراق ولبنان وربما اليمن بشكل مباشر، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة استنزاف مضاعف، حيث حجم التضحيات الإقليمية قد يُسرّع من هزيمتهما رغم القوة الغاشمة التي تمتلكانها.


