الخيار النووي الاسرائيلي :الفخ الذي يقتل صاحبه

الخيار النووي الاسرائيلي الفخ الذي يقتل صاحبه
يناقش النص خطورة احتمال استخدام إسرائيل للسلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن اتساع إيران وقدرتها على الرد قد يحول الضربة إلى كارثة إقليمية واستراتيجية، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على الشرق الأوسط والعالم...

مع تصاعد وتيرة التصريحات والتحليلات في الإعلام الإسرائيلي والعالمي حول احتمالية لجوء تل أبيب الى الخيار النووي لانهاء الصراع مع طهران يعود سيناريو الرعب ليطل برأسه على منطقة الشرق الأوسط فبينما تُصرّح أوساط عسكرية وسياسية في إسرائيل بأن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة يقف المحللون والخبراء العسكريون حائرين أمام مفارقة كبرى في حال تم استخدام هذا السلاح فإن إسرائيل قد تكون أول المنتصرين وآخر الخاسرين في نفس اللحظة.

إن إيران بمساحتها الشاسعة التي تزيد على 1.6 مليون كيلومتر مربع وتضاريسها الوعرة وعدد سكانها الذي يقترب من 90 مليون نسمة تمتلك قدرة استثنائية على استيعاب الصدمات. فحتى في سيناريو استخدام القنبلة النووية ضدها سيبقى الأثر مدمراً ولكن محصوراً أشبه بزلزال هائل يضرب مدينة كبيرة فيُفنيها لكنه لا يستطيع أن يشلّ كامل الجسد الإيراني. طهران ليست جزيرة صغيرة كبريطانيا أو دولة ضيقة المساحة كاليابان التي انتهت حربها بقنبلتين ذريتين لانعدام العمق الاستراتيجي لديها إيران قارة مصغرة يمكنها النزيف لوقت طويل وهذا هو مربط الفرس الذي قد يغفل عنه صانع القرار الإسرائيلي .

لكن اللحظة الأكثر خطورة في هذا السيناريو ليست لحظة سقوط القنبلة بل ما تليها مباشرة. فبمجرد عبور إسرائيل لهذا الخط الأحمر النووي فإنها تدخل الصراع في مرحلة جديدة كلياً مرحلة الرد المتناظر. لقد أكدت طهران دوماً أن امتلاك أي دولة في المنطقة للسلاح النووي سيشعل سباق تسلح لا يمكن السيطرة عليه ولكن الأهم من ذلك أنه في حال استُخدم هذا السلاح ضدها فإن عقيدة الردع الإيرانية ستفرض عليها استخدام ما تمتلكه من قدرات مماثلة رداً على المعتدي . هنا تتحول إسرائيل الصغيرة حسب التوصيف الجغرافي إلى هدف ثابت وسهل. فمساحتها المحدودة وتجمعاتها السكانية المكتظة تجعلها غير قادرة على تحمل ولو ضربة نووية واحدة. بمعنى آخر إذا أقدمت إسرائيل على استخدام السلاح النووي فهي تمنح إيران شرعية أخلاقية وعسكرية لاستخدام ترسانتها لتنتهي المعادلة بفناء الدولة العبرية قبل أن تتمكن من توجيه ضربة ثانية.

أما المقارنة التاريخية مع اليابان التي يرددها البعض لتبرير فعالية الضربة النووية فهي مقارنة خاطئة جيوسياسياً. في عام 1945 كانت اليابان دولة منعزلة لا تمتلك أسلحة ردع نووية وكانت الحرب العالمية الثانية قد استنزفتها بالكامل. أما اليوم فإيران تمتلك شبكة وكلاء إقليميين وصواريخ باليستية متطورة وقدرة على ضرب القواعد الأمريكية في الخليج والأهم من ذلك امتلاكها المحتمل للردع النووي نفسه. لو كانت طوكيو تمتلك قنبلة ذرية صيف عام 1945 لكان مشهد الاستسلام قد انقلب رأساً على عقب ولربما تغير مجرى التاريخ .

لا يمكن في هذا السياق تجاهل التداعيات الكارثية لهذا السيناريو على دول الخليج والمنطقة. فاستهداف المنشآت النووية الإيرانية أو استخدام قنبلة نووية فوق أراضيها لن يؤدي فقط إلى تسرب إشعاعي هائل بفعل المطر الأسود الذي قد يلوث الهواء والماء والتربة لسنوات بل سيجبر دول مجلس التعاون الخليجي على إعادة حسابات أمنها بالكامل . هذا السيناريو قد يحول الخليج العربي إلى بحيرة مسمومة ويعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز ويؤدي إلى انهيار اقتصادي عالمي بسبب صدمة النفط. كما أن التأثيرات النفسية والبيئية ستمتد لعقود وستخلق أزمة لاجئين بيئيين هي الأعنف في التاريخ الحديث. إن أي استخدام للسلاح النووي في هذه البيئة المترابطة لن يبقي أحداً خارج دائرة النار وسيجعل من الانتصارالتكتيكي لإسرائيل بداية هزيمتها الاستراتيجية الوجودية ليس فقط على يد إيران بل تحت وطأة غضب إقليمي ودولي قد لا تتعافى منه أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *