وهم السلام في زمن الهيمنة

وهم السلام في زمن الهيمنة
يُنتقد خطاب «السلام بأي ثمن» الذي يُستَخدم لتبرير الضعف وقبول الهيمنة. فالسلام الحقيقي لا يتحقق في عالم تحكمه موازين القوة إلا بامتلاك الردع والسيادة، إذ إن الضعف لا يجلب الاستقرار بل يشجع الأطماع والتوسع....

في السنوات الاخيرة انتشرت عبارة تبدو في ظاهرها انسانية وبسيطة وهي نريد العيش بسلام غير ان هذه العبارة تحولت في كثير من الخطابات السياسية والاعلامية الى غطاء نفسي وسياسي لتبرير الضعف وقبول الامر الواقع بل وللطعن في كل فكرة تدعو الى المقاومة او التمسك بعناصر القوة وهنا يكمن الخطر الحقيقي لان المجتمع عندما يبدأ بتبرير التخلي عن مصادر قوته تحت شعار السلام فانه يكون قد دخل مرحلة خطيرة من الخضوع الذهني قبل الخضوع السياسي.

السلام قيمة انسانية نبيلة لا يختلف عليها اثنان لكن السؤال الجوهري هو اي سلام يقصدون هل هو السلام القائم على التوازن والردع ام السلام المفروض بالقوة والهيمنة التجارب التاريخية القريبة والبعيدة تقول بوضوح ان القوى الكبرى لم تكن يوما مانحة للسلام بل كانت دائما تسعى الى فرض مصالحها مستخدمة كل وسائل الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي وفي منطقتنا تحديدا لم يكن الصراع مجرد خلاف حدودي او نزاع سياسي عابر بل هو صراع مشاريع وهيمنة ونفوذ.

حين تتحدث بعض الاصوات عن ضرورة التخلي عن سلاح المقاومة تحت شعار نريد العيش بسلام فانها تتجاهل حقيقة اساسية وهي ان السلام لا يتحقق في عالم تحكمه موازين القوة الا عندما يمتلك الطرف المستهدف قدرة على الردع الدول التي تحترم سيادتها لا تفعل ذلك عبر النوايا الحسنة وحدها بل عبر منظومة قوة تحمي قرارها الوطني التاريخ مليء بالامثلة التي تثبت ان الضعف لا يجلب السلام بل يجلب الاطماع ويشجع القوى المتغطرسة على التوسع.

الاخطر من ذلك ان جزءا من الخطاب السائد بدأ يروج لفكرة خطيرة مفادها ان الاستسلام الواقعي افضل من المواجهة وان القبول بالهيمنة قد يضمن الاستقرار هذه الفكرة ليست مجرد رأي سياسي بل هي تحول عميق في الوعي الجمعي يقود تدريجيا الى تجريد المجتمعات من روح المقاومة والدفاع عن السيادة وعندما تصل الامم الى هذه المرحلة فانها لا تخسر معركة سياسية فقط بل تخسر قدرتها على حماية مستقبلها.

الواقع الاقليمي لا يحتاج الى كثير من الشرح المشاريع التوسعية في المنطقة لم تعد سرا ولا مجرد تحليلات سياسية بل تصريحات معلنة وخطط يجري تنفيذها تدريجيا عبر الضغط العسكري والاقتصادي واعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الاوسط في ظل هذا الواقع يصبح الحديث عن سلام بلا قوة نوعا من الوهم السياسي الذي يريح الضمير لكنه لا يحمي الارض ولا السيادة.

لا يمكن لاي شعب ان يعيش بسلام حقيقي اذا كان اعزل امام مشاريع الهيمنة السلام الذي يولد من الضعف ليس سلاما بل هدنة هشة تنتظر لحظة الانقضاض اما السلام الذي تحميه القوة والردع فهو السلام الذي يفرض احترام الارادة الوطنية ويمنع تحويل الدول الى ساحات مفتوحة للمصالح الخارجية.

ان اخطر ما يمكن ان يصيب المجتمعات ليس الفقر ولا الحصار ولا حتى الحرب بل فقدان الارادة وعندما تتحول عبارة نريد العيش بسلام الى ذريعة لتبرير الخضوع والتخلي عن عناصر القوة فانها تتحول من شعار انساني الى اداة سياسية خطيرة تفتح الابواب امام الهيمنة.

السلام الحقيقي لا يولد من الاستسلام بل من التوازن ولا يحميه الضعفاء بل الشعوب التي تمتلك الوعي والارادة والقدرة على الدفاع عن نفسها وفي عالم تحكمه المصالح والقوة تبقى الحقيقة الاوضح ان الكرامة والسيادة لا يحرسهما الدعاء بل تحرسهما القوة التي تجعل الاخرين يفكرون الف مرة قبل ان يمدوا ايديهم الى ارضك وقرارك ومستقبلك. .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *