لم يعد يوم القدس العالمي مجرد مناسبة رمزية تُرفع فيها الشعارات وتُستعاد فيها الخطابات التضامنية، بل تحوّل عبر العقود إلى محطة سياسية واستراتيجية تكشف عن التحولات العميقة في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط. ففي كل عام، ومع حلول هذا اليوم، تعود القضية الفلسطينية لتتصدّر الوعي الجمعي لشعوب المنطقة بوصفها القضية المركزية التي تختزل جوهر الصراع على الهوية والسيادة ومستقبل المنطقة.
لقد انطلق يوم القدس في سياق تاريخي خاص عندما دعا إليه الإمام الراحل السيد الخميني رضوان الله عليه في أعقاب انتصار الثوره الاسلاميه في ايران لتكون القدس في قلب مشروعٍ سياسي وفكري يسعى إلى منع تهميش القضية الفلسطينية أو تحويلها إلى ملف ثانوي في حسابات التوازنات الدولية. ومنذ ذلك الحين لم يعد هذا اليوم مجرد تعبير عن التضامن، بل أصبح إعلانًا سنويًا بأن فلسطين ستبقى محورًا للصراع ومقياسًا للمواقف السياسية في العالمين العربي والإسلامي.
لقد أدركت الجمهورية الإسلامية منذ وقت مبكر أن الصراع مع المشروع الصهيوني لا يمكن أن يُدار بالخطاب السياسي وحده، بل يحتاج إلى بناء منظومة قوة متكاملة قادرة على خلق توازن ردع حقيقي في المنطقة. ولذلك استثمرت الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية في تطوير قدراتها الدفاعية والتقنية، وفي بناء شبكة إقليمية من الحلفاء الذين يشكّلون اليوم محور المقاومة المساند والمدافع عن حقوق الشعوب المظلومة.
وقد تجلت هذه التحولات بصورة أكثر وضوحًا في الضربات التي وجّهتها إيران إلى عمق كيان الاحتلال، والتي شكّلت لحظة مفصلية في مسار الصراع. فهذه الضربات لم تكن مجرد رد عسكري محدود، بل رسالة استراتيجية مفادها أن زمن الحروب التي يشنها الكيان دون أن يتعرض لرد مباشر على عمقه قد بدأ يقترب من نهايته. لقد أظهرت تلك العمليات قدرة منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية على تجاوز طبقات الدفاع المختلفة والوصول إلى أهداف حساسة، وهو ما أحدث تحولًا مهمًا في الإدراك الأمني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
إن أهمية هذه الضربات لا تكمن فقط في بعدها العسكري، بل في أثرها النفسي والاستراتيجي. فالمعادلة التي قامت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الكيان كانت تقوم على مبدأ نقل المعركة إلى أرض الخصم والحفاظ على أمن العمق الداخلي. أما اليوم، فإن هذه المعادلة تتعرض لتحديات غير مسبوقة، إذ بات العمق الإسرائيلي نفسه جزءًا من ساحة المعركة.
وفي الوقت ذاته، فإن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن صعود محور المقاومة كقوة إقليمية متماسكة تمتد جغرافيًا من فلسطين إلى لبنان والعراق واليمن. هذه الشبكة من القوى المتحالفة مع إيران أعادت تشكيل طبيعة الصراع بحيث لم يعد محصورًا في جبهة واحدة، بل بات مرشحًا للتحول إلى مواجهة متعددة الساحات، الأمر الذي يفرض على كيان الاحتلال معادلات أمنية معقدة لم يعتد عليها في السابق.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم يوم القدس اليوم باعتباره مؤشرًا سياسيًا على تشكّل مرحلة جديدة في تاريخ الصراع في الشرق الأوسط. فالمعادلات التي حكمت المنطقة طوال النصف الثاني من القرن العشرين لم تعد قادرة على تفسير الواقع الحالي بكل تعقيداته، حيث تتقاطع في هذا الواقع عوامل القوة العسكرية مع التحولات الجيوسياسية العالمية، ومع صعود قوى دولية تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي.
ومن هنا، فإن دلالات يوم القدس تتجاوز حدود المناسبة السنوية لتصبح جزءًا من خطاب استراتيجي أوسع يؤكد أن قضية فلسطين ما زالت تشكل محورًا أساسيًا في معادلة الأمن الإقليمي. كما أنه يذكّر بأن الصراعات الكبرى في التاريخ لا تُحسم في لحظات سريعة، بل عبر مسارات طويلة تتداخل فيها الإرادة السياسية مع التحولات الاجتماعية والعسكرية.
وفي هذا السياق، فإن مسار إنهاء الاحتلال لا يرتبط بضربة عسكرية واحدة أو بحرب خاطفة، بل يتشكل عبر عملية تراكمية تقوم على استنزاف التفوق العسكري للكيان الصهيوني، وتعزيز وحدة ساحات المقاومة، ورفع كلفة العدوان إلى مستوى يفقد معه المشروع الصهيوني قدرته على فرض إرادته بالقوة. ومع كل تحول في ميزان الردع تتآكل تدريجيًا الأسس التي قام عليها التفوق الإسرائيلي، ويتقدم الصراع خطوة إضافية نحو مرحلة جديدة يصبح فيها مستقبل الاحتلال ذاته موضع تساؤل استراتيجي.
وعند هذه النقطة تحديدًا تتضح الأهمية الحقيقية ليوم القدس؛ فهو ليس مجرد تذكير بالقضية الفلسطينية، بل تعبير عن حقيقة سياسية مفادها أن مسار التاريخ في هذه المنطقة ما زال مفتوحًا على احتمالات كبرى. وبينما تتغير موازين القوة وتتعاظم كلفة الحروب، تظل القدس رمزًا حيًا لمعركة العدالة والهوية، وبوصلةً تذكّر الأجيال بأن القضايا العادلة قد تتأخر، لكنها نادرًا ما تسقط من حسابات التاريخ فصواريخ الج مهورية ومحورها تعمل على تعزيز التفوق العسكري والاقتصادي مما يعجل في نهاية كيان الاحتلال الاسرائيل وتحرير فلسطين المحتله وعاصمتها القدس.


