هل سيدخل العرب الحرب؟ قراءة في تحالف “سنتكوم” ولماذا غابت قطر

هل سيدخل العرب الحرب؟ قراءة في تحالف "سنتكوم" ولماذا غابت قطر
يتناول التحليل تشكّل شبكة تنسيق عسكري إقليمي بقيادة سنتكوم تضم الولايات المتحدة وإسرائيل وعدة دول عربية، وتأثيرها في احتمالات توسع المواجهة مع إيران، مع تفسير ابتعاد قطر النسبي عن هذا الإطار بسبب دورها الوسيط وتوازناتها الإقليمية.....

مع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأت صورة التحالفات التي يجري تشكيلها في الشرق الأوسط تتضح أكثر فأكثر. فالصراع الدائر لا يُدار فقط عبر الضربات العسكرية المباشرة، بل من خلال شبكة معقدة من الترتيبات الأمنية والسياسية التي تم بناؤها تدريجياً خلال السنوات الماضية.

في قلب هذه الشبكة تقف القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، التي تحولت إلى محور رئيسي لإدارة التنسيق العسكري في المنطقة. ولم يكن هذا الدور وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تحولات استراتيجية مهمة، أبرزها القرار الذي اتخذ عام 2021 بنقل إسرائيل إلى نطاق عمليات القيادة المركزية، بعد أن كانت تتبع لقيادة أخرى داخل الجيش الأمريكي.

هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل فتح الباب أمام إنشاء منظومة تنسيق عسكري وأمني مباشر بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، الأمر الذي أعاد رسم خريطة التعاون العسكري في الشرق الأوسط. فوجود جميع هذه الأطراف ضمن مظلة قيادة عسكرية واحدة يسمح بتبادل المعلومات الاستخبارية، وتعزيز التنسيق في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر.

ومن هنا يذهب بعض المحللين إلى أن احتمال انخراط بعض الدول العربية في المواجهة القائمة ليس سيناريو بعيداً، بل قد يكون امتداداً طبيعياً لبنية هذا التحالف الذي يجري بناؤه منذ سنوات.

وفي هذا السياق، يحاول هذا المقال تقديم قراءة استراتيجية لطبيعة هذا التحالف، وحدود دوره في الحرب الحالية، كما يتوقف عند سؤال مهم يثير الكثير من الجدل في المنطقة: لماذا تبدو قطر بعيدة نسبياً عن هذا الإطار التنسيقي رغم استضافتها واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط؟

أولاً: تحالف سنتكوم… بنية عسكرية لإدارة الحرب

منذ نقل إسرائيل إلى نطاق عمليات سنتكوم، بدأت واشنطن ببناء شبكة تنسيق عسكري تضم كل من: الولايات المتحدة، وإسرائيل، والسعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، والأردن. هذه المنظومة تقوم على عدة مستويات: تنسيق الدفاع الجوي، ومشاركة المعلومات الاستخبارية، وإدارة العمليات البحرية في البحر الأحمر والخليج، وتوحيد منظومات الرادار والإنذار المبكر. بمعنى آخر، ما يجري ليس تحالفاً سياسياً تقليدياً، بل منظومة قيادة عمليات مشتركة يمكن تفعيلها سريعاً في حال توسع الحرب.

وهنا تظهر النقطة الأهم، عندما تُبنى شبكة دفاع جوي مشتركة، فإن أي هجوم واسع على أحد أطرافها قد يجرّ بقية الأطراف عملياً إلى الصراع، حتى لو لم تعلن الحرب رسمياً. ولهذا يرى بعض المراقبين أن الدول العربية قد تجد نفسها منخرطة تدريجياً في الحرب مع إيران، حتى لو لم يكن ذلك قراراً سياسياً مباشراً.

*ثانياً: لماذا قد تنجر الدول العربية إلى الحرب؟*

هناك عدة عوامل تدفع في هذا الاتجاه:

1- الدفاع المشترك: الهجمات الصاروخية الإيرانية التي طالت القواعد الامريكية في دول الخليج، وضرب بعض المواقع الحيوية أو هجمات محتملة من قبل الحلفاء مثل الحوثيين قد تستهدف، اهداف امريكية في الخليج، ومنشآت الطاقة، والممرات البحرية، وفي هذه الحالة تصبح دول الخليج جزءاً من المعركة بحكم الجغرافيا.

2- حماية طرق الطاقة والتجارة: الولايات المتحدة وحلفاؤها ينظرون إلى مضائق المنطقة على أنها شرايين الاقتصاد العالمي، خصوصاً، مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وباب المندب. وأي تهديد لهذه الممرات قد يدفع الدول العربية للمشاركة في العمليات العسكرية.

3- تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب طرق التجارة والطاقة العالمية: خصوصاً في إطار المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تربط آسيا بأوروبا. ومن بين هذه المشاريع ما يُعرف بممر التجارة بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط، وهو مشروع يهدف إلى تقليل الاعتماد على الممرات التي تسيطر عليها قوى منافسة مثل الصين أو روسيا.

4- بنية التحالف العسكري الجاهزة: وجود منظومة سنتكوم يعني أن، الخطط العسكرية موجودة مسبقاً، وغرف العمليات المشتركة معدة مسبقاً، وتبادل المعلومات قائم بالفعل، وهذا يجعل الانتقال من التنسيق الأمني إلى المشاركة العسكرية أمراً أسرع بكثير.

5- ظهرت تقارير إعلامية تتحدث عن معلومات أمنية بشأن تفجيرات استهدفت منشآت للطاقة في الخليج، ما زاد من حالة التوتر الإقليمي. كما صدرت تهديدات من حركة أنصار الله في اليمن بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا دخلت أي دولة عربية الحرب ضد إيران، وأنها قد تستهدف تلك الدول عسكرياً.

*ثالثاً: لماذا قطر خارج محور سنتكوم؟*

رغم أن قطر تستضيف أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة “قاعدة العديد العسكرية”، إلا أنها ليست جزءاً واضحاً من منظومة التنسيق الإقليمي التي تقودها إسرائيل داخل سنتكوم.

وهذا ليس صدفة، بل يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية هي:

1- سياسة الوساطة القطرية: قطر تبنت منذ سنوات سياسة تقوم على لعب دور الوسيط بين أطراف متصارعة، فهي تحتفظ بعلاقات مع الولايات المتحدة، وإيران، وحركات إ سلامية مثل حماس. هذه السياسة تجعل انضمامها إلى تحالف عسكري مباشر ضد إيران يتناقض مع دورها الدبلوماسي.

2- العلاقة مع تركيا: قطر ترتبط بتحالف استراتيجي مع تركيا، وتستضيف قوات عسكرية تركية، وتركيا بدورها تحاول الحفاظ على توازن مع إيران، لذلك فإن دخول قطر في تحالف عسكري واضح ضد طهران قد يخلق تعقيداً في هذا التوازن.

3- ملف الإسلام السياسي: تتبنى قطر علاقات مع قوى من الإسلام السياسي، خصوصاً تيار الاخوان المسلمين. بينما ترى بعض الدول العربية الأخرى أن هذا التيار يمثل تهديداً لأمنها الداخلي. هذا الاختلاف في الرؤية السياسية يجعل قطر أقرب إلى موقع الوسيط منها إلى موقع الشريك العسكري في تحالف إقليمي.

فلذلك جاء تحذير “الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني” الذي عُرف بدهائه السياسي ليطرح سؤالاً مقلقاً: هل يُدفع الخليج بهدوء نحو فخ استراتيجي كبير؟ هذا التحذير جاء أشبه بجرس إنذار يقرع في لحظة تتقاطع فيها الصواريخ مع الحسابات الكبرى، وتختلط فيها لغة الحرب بلغة المصالح.

السيناريو الذي يحذر منه بن جاسم يقوم على فكرة بسيطة لكنها خطيرة: أن يتحول الخليج إلى ساحة المواجهة المباشرة. فعندما تنفجر الحرب بين القوى الإقليمية، قد تتراجع القوى الكبرى خطوة إلى الخلف، تاركة المنطقة تواجه نارها بنفسها.

عندها تتحول الحرب من صراع سياسي إلى سوق مفتوح للسلاح. تصبح المعركة تجارة، وتتحول الدماء إلى أرقام في عقود التسليح. وهنا تظهر المفارقة القاسية: من كان يُنظر إليه كحليف قد يتحول إلى وسيط يبيع السلاح للطرفين، بينما تخرج قوى أخرى لتعزز نفوذها وتفرض قواعد لعبة جديدة.

في قلب هذا المشهد تقف إسرائيل بوصفها لاعباً يستفيد من كل اختلال في ميزان القوى الإقليمي. فكلما ضعفت القوى المحيطة بها أو انشغلت بصراعاتها، اتسعت مساحة نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *