في عالم يفترض انه محكوم بالقوانين الدولية والاعراف الانسانية تبدو المفارقات اليوم اكثر وضوحا من اي وقت مضى فبينما تتعرض شعوب المنطقة لاعتداءات متكررة وحروب مدمرة نجد ان جزءا من شركائنا في الوطن لا يقف في موقع المتفرج فحسب بل يتحول احيانا الى طرف يعيد انتاج خطاب الاحتلال داخل اوطاننا ويبرر سرديته السياسية والاعلامية في حين يصطف عدد من الانظمة العربية في موقع اقرب الى التماهي مع المشروع الصهيوني بدلا من الوقوف الى جانب الشعوب التي تناضل من اجل حريتها وكرامتها.
المفارقة الاكثر ايلاما لا تكمن فقط في اننا نواجه عدوا خارجيا يمتلك ترسانة عسكرية هائلة بل في ان بعض شركائنا في الوطن يتصدرون مشهد ادانة الضحية وتجريمها فعندما تتعرض شعوبنا للقصف والقتل والتدمير وعندما تسقط الضحايا وتتحول المدن الى ركام يصبح السؤال الذي يطرحه هؤلاء ليس لماذا يحدث العدوان بل لماذا تقاومون ولماذا تردون وكأن المطلوب من الشعوب ان تموت بصمت وان تقبل بالقتل دون ان تدافع عن حقها الطبيعي في الحياة والسيادة والكرامة.
وغالبا ما يسوق هؤلاء ذريعة تبدو في ظاهرها واقعية لكنها في حقيقتها دعوة صريحة للاستسلام فهم يكررون خطابا واحدا مفاده ان ميزان القوة مختل وان العدو يمتلك سلاحا فتاكا لا يمكن مواجهته وبناء على ذلك يدعون الشعوب الى القبول بالامر الواقع والرضوخ له وكأن الاستسلام تحول الى فضيلة سياسية وكأن الخضوع والخنوع اصبحا خيارا عقلانيا في مواجهة العدوان.
غير ان التاريخ يقدم لنا رواية مختلفة تماما فمعظم حركات التحرر في العالم لم تكن تمتلك توازنا عسكريا مع القوى التي احتلتها ومع ذلك استطاعت عبر الارادة والصمود وتراكم الفعل المقاوم ان تفرض معادلات جديدة وان تنهي اشكالا متعددة من الاحتلال والهيمنة ولذلك فان تحويل اختلال ميزان القوة الى مبرر لالغاء حق الشعوب في المقاومة لا يعكس واقعية سياسية بقدر ما يعكس حالة من الاستسلام الذهني والسياسي.
هذه الظاهرة ترتبط ايضا بطبيعة النظام الدولي القائم على موازين القوة لا على مبادئ العدالة فالمجتمع الدولي الذي يقدم نفسه بوصفه حاميا للقانون الدولي يمارس اليوم ازدواجية صارخة في المعايير فعندما يتعلق الامر بمقاومة الشعوب للاحتلال يتم تصنيف تلك المقاومة على انها ارهاب بينما يتم التغاضي عن الجرائم الواسعة التي ترتكبها آلة الحرب الامريكية الاسرائيلية بحق المدنيين والبنى التحتية ومقدرات الدول.
وفي السياق ذاته تحظى التحالفات العسكرية الكبرى مثل حلف الناتو بغطاء سياسي واعلامي واسع حين تتدخل عسكريا في دول اخرى تحت ذرائع مختلفة بينما يجري تجريم كل فعل مقاوم يسعى الى حماية السيادة الوطنية او ردع العدوان الخارجي وبذلك تتحول مفاهيم مثل الامن الدولي ومحاربة الارهاب الى ادوات سياسية تستخدم بشكل انتقائي لخدمة مصالح القوى المهيمنة.
ان ما يجري في منطقتنا اليوم ليس مجرد صراع عسكري تقليدي بل هو صراع على الرواية وعلى تعريف المفاهيم ذاتها فحين يتم تجريم المقاومة وتبرئة الاحتلال يصبح الخلل بنيويا في النظام الدولي نفسه وهذا الخلل لا يهدد شعوب المنطقة وحدها بل يقوض مصداقية المنظومة الدولية التي يفترض انها تقوم على مبادئ السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وفي ظل هذا الواقع تصبح معركة الوعي لا تقل اهمية عن معركة الميدان فالشعوب التي يتم اقناعها بان الاستسلام هو الخيار الوحيد سرعان ما تفقد قدرتها على الدفاع عن وجودها السياسي والاقتصادي ولذلك فان اعادة الاعتبار لشرعية المقاومة ليست مجرد موقف عاطفي بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على توازن القوى ومنع تحويل المنطقة الى ساحة مفتوحة للهيمنة والاستنزاف.
ان شرعية الشعوب لا تمنحها المؤسسات الدولية ولا تصادرها بيانات الادانة بل تصنعها قدرتها على الصمود والمقاومة وفرض معادلات جديدة مهما حاولت القوى الكبرى وحلفاؤها في الداخل تجريم حقها الطبيعي في الدفاع عن وجودها وسيادتها وكرامتها .


