حين أصدر المرجع الأعلى علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي في حزيران 2014، كان العراق يقف على حافة انهيار خطير بعد اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لمدن واسعة وتهديده المباشر للدولة والمجتمع والمقدسات. في تلك اللحظة التاريخية لبّى العراقيون النداء، فاندفع مئات الآلاف للدفاع عن وطنهم، وتشكلت قوة وطنية كبيرة تمثلت في هيئة الحشد الشعبي التي قاتلت جنباً إلى جنب مع الجيش والقوات الأمنية حتى تحقق النصر العسكري على تنظيم داعش. غير أن فهم هذه الفتوى لا ينبغي أن يُحصر في ظرفها التاريخي فقط، بل يجب النظر إليها من زاوية فقهية أعمق. فالجهاد الكفائي بطبيعته حكم يرتبط بوجود الخطر، لا بزمن محدد. وحين لا يُذكر سقف زمني لانتهاء التكليف، فإن معيار بقائه هو استمرار التهديد واحتمال عودته.
واليوم، وبعد سنوات من صدور الفتوى، لا يمكن القول إن الأخطار قد انتهت بالكامل. فالمنطقة ما زالت تعيش توترات حادة وصراعات مفتوحة. ما يتعرض له الشيعة في إيران من تهديدات عسكرية واستهداف مباشر، إضافة إلى القصف الذي طال مواقع مرتبطة بقوات هيئة الحشد الشعبي داخل العراق من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، كلها مؤشرات على أن معادلة الصراع لم تنته بعد. كما أن وجود أعداد كبيرة من عناصر تنظيم داعش في السجون، وما يرافق ذلك من مخاوف دائمة من عودتهم إلى النشاط المسلح، يمثل خطراً أمنياً حقيقياً. ويضاف إلى ذلك واقع التطرف الذي لا يزال حاضراً في بعض مناطق سوريا، فضلاً عن الانحياز السياسي والعسكري لبعض دول الخليج إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يعمّق حالة الاستقطاب في المنطقة. في ظل هذه المعطيات، يصبح من الطبيعي أن يرى كثيرون أن روح فتوى الجهاد الكفائي ما زالت قائمة، وأنها تمثل حالة من اليقظة والاستعداد للدفاع عن المجتمعات الشيعية وأوطانها إذا ما تعرضت للخطر. فهذه الفتوى لم تكن دعوة للحرب بقدر ما كانت دعوة لحماية الأرض والإنسان والمقدسات عندما يتهددها العنف والإرهاب. إن التمسك بهذا المبدأ لا يعني بالضرورة حمل السلاح دائماً، بل يعني الحفاظ على حالة الوعي والاستعداد والتكاتف المجتمعي في مواجهة الأخطار. فالفتوى في جوهرها تعبّر عن مسؤولية جماعية للدفاع عندما يصبح الدفاع ضرورة.
وفي الفقه الإسلامي، إذا بلغ الخطر درجة تهدد وجود المجتمع أو البلاد بشكل مباشر، فإن المرجعية الدينية قد ترى أن يتحول الحكم من الجهاد الكفائي إلى الجهاد العيني، أي التكليف الذي يصبح واجباً على كل قادر على الدفاع. وهذه مسألة تقدّرها المرجعية وفق الظروف والوقائع في حينها. إن التجربة التي عاشها العراق بعد عام 2014 أثبتت أن الأمة التي تمتلك إرادة الدفاع عن نفسها لا يمكن أن تنهار بسهولة. ولذلك تبقى فتوى الجهاد الكفائي علامة فارقة في التاريخ الحديث، ليس فقط لأنها أسهمت في هزيمة داعش، بل لأنها رسخت مبدأً واضحاً: أن الدفاع عن الوطن والمجتمع مسؤولية مشتركة لا تسقط ما دامت الأخطار قائمة.
ومن هذا المنطلق، تبقى هذه الفتوى في الوعي الجمعي رمزاً لليقظة والاستعداد، وعهداً أخلاقياً بأن تبقى الأمة قادرة على حماية نفسها كلما اقتضت الظروف ذلك.


