قبل فوات الأوان قراءة في التحولات الكبرى ودعوة إلى القرار الصائب

قبل فوات الأوان قراءة في التحولات الكبرى ودعوة إلى القرار الصائب
تشهد المنظومة الدولية تحولات متسارعة مع تراجع الأحادية القطبية وصعود نظام متعدد الأقطاب. الصراعات الجارية تعكس أبعاداً سياسية وهوياتية عميقة، وتضع المنطقة والعالم الإسلامي أمام لحظة تاريخية تتطلب قرارات استراتيجية ورؤية مشتركة لصياغة توازنات أكثر استقلالاً...

عبر التاريخ لم تكن الإمبراطوريات خالدة. كل قوة عظمى بلغت ذروة الغرور والقوة وصلت في لحظة ما إلى قمة الصعود، ثم بدأ بعدها طريق الانحدار. هذه ليست أمنية سياسية، بل حقيقة سجلها التاريخ مراراً؛ من روما إلى قوى حديثة ظنت أن سلطانها أبدي. اليوم يقف العالم أمام لحظة مفصلية أخرى.

النظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1991، حين أصبحت الولايات المتحدة القطب الأوحد، بدأ يتغير ببطء ولكن بثبات. تتشكل أمام أعيننا ملامح عالم متعدد الأقطاب، وتتصاعد قوى دولية وإقليمية تعيد رسم موازين القوة. في خضم هذه التحولات اندلعت الحرب التي يراها كثيرون في العالم حرباً تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، إذ يفسرها البعض بأنها مواجهة ذات أبعاد عقدية وسياسية عميقة. ومع اتساع دائرة الصراع وتعدد ساحاته، أخذت المنطقة كلها تعيش لحظة اختبار تاريخي. لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الشعوب عندما تشعر بأن وجودها أو كرامتها مهددة فإنها تلتف حول قيادتها وتعيد ترتيب أولوياتها. وفي مثل هذه اللحظات لا تُقاس الأمور فقط بميزان القوة العسكرية، بل بميزان الشرعية الأخلاقية في نظر الشعوب.

وهنا يبرز سؤال كبير أمام العالم الإسلامي كله، وبالأخص أمام المملكة العربية السعودية بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية بحكم احتضانها مكة المكرمة وقبلة المسلمين. فالموقع الديني يمنح صاحبه مسؤولية معنوية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. إن المنطقة تقف اليوم بين معسكرين متقابلين في نظر كثير من شعوبها: معسكر يُنظر إليه بوصفه معسكر الهيمنة والقوة، ومعسكر يُنظر إليه بوصفه معسكر المقاومة والدفاع عن الاستقلال. وبين هذين التصورين تتشكل مواقف الشعوب وتُكتب صفحات التاريخ. السياسة في النهاية فن اختيار اللحظة المناسبة. وقد علمتنا تجارب الأمم أن القرارات الكبرى التي تُتخذ في اللحظات المفصلية هي التي تحدد موقع الدول في ذاكرة التاريخ. فالتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يتذكر إلا أولئك الذين امتلكوا شجاعة القرار في اللحظة المناسبة.

إن التحولات الجارية في النظام الدولي تشير بوضوح إلى أن العالم يتجه نحو توازنات جديدة. ومع كل تحول كبير تنشأ فرصة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية وبناء منظومة أكثر استقلالاً عن إرادة القوى الكبرى. من هنا تأتي الدعوة إلى التفكير العميق في مستقبل المنطقة، بعيداً عن الحسابات الآنية الضيقة.

فالعالم الإسلامي يمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية والجغرافية ما يجعله قادراً على أن يكون قوة مؤثرة إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة. إن الحكمة تقتضي أن تُقرأ اللحظة التاريخية جيداً قبل أن تمر. فالقرارات التي تُتخذ اليوم قد ترسم ملامح الشرق الأوسط لعقود طويلة قادمة. والتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يرحم من يتأخر عن إدراك لحظته.

One Response

  1. رؤيتي أن الكيان الصهيو-أمريكي يلتقط أنفاسه الأخيرة انطلاقا من يقينه بان ايران تشكل قوة خارقة تستطيع توجيه الضربة لاي اعتداء عليها وتبقى منتصرة ايماننا بمادئها وبعقيدتها متجذرة بايمانها العميق بالله وان الله ينصر الحق دائما مهما كانت قوة الباطل
    الكيان الصهيو-أمريكي كيان هش لايملك العقيدة والايمان الذي نحملها ما يحدث الان هو نتيجة زعزعة لثقتها بنفسها وعدم تقبلها لفكرة وجود قوة أضعف منها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *