لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل أصبح اختباراً حقيقياً لحدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية وقدرتها على فرض إرادتها على شعوب المنطقة. فخلال العقود الماضية حاولت الولايات المتحدة أن ترسخ صورة مفادها أن قوتها العسكرية قادرة على إسقاط الأنظمة وإخضاع الدول متى ما أرادت، لكن الوقائع المتراكمة في المنطقة تكشف حقيقة مختلفة تماماً؛ فالجيوش الكبرى قد تدمر مدناً وتنتصر في معارك، لكنها كثيراً ما تعجز عن كسر إرادة الشعوب أو القضاء على الحركات التي تنبثق من عمق المجتمع.
إن النظر إلى التجارب القريبة يكشف بوضوح حدود هذه القوة. ففي اليمن، وعلى الرغم من سنوات طويلة من الحرب، لم تنجح الولايات المتحدة ولا حلفاؤها في القضاء على الحوثيين أو إنهاء وجودهم العسكري والسياسي. لقد شاركت في الحرب قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات، واستخدمت أحدث الأسلحة والطائرات وصُرفت مليارات الدولارات، ومع ذلك لم يتحقق الهدف الأساسي للحرب. السبب لا يعود فقط إلى قدرات الحوثيين العسكرية، بل أيضاً إلى طبيعة اليمن الجغرافية المعقدة؛ فاليمن بلد تحيط به جبال شاهقة ووديان متداخلة ومناطق قبلية مترابطة اجتماعياً، وهي بيئة تجعل من الصعب إخضاع حركة متجذرة في مجتمعها مهما بلغت قوة السلاح المستخدم ضدها.
والصورة نفسها تكررت في لبنان. فقد خاضت إسرائيل حروباً متعددة ضد حزب الله اللبناني، وأنفقت وفق تقديرات مختلفة أكثر من أربعة وعشرين مليار دولار في محاولتها الاخيرة للقضاء عليه أو تحييد قوته العسكرية. ومع ذلك لم يتحقق هذا الهدف رغم قتلها قيادته، بل إن الحزب عاد هذه المرة أكثر قوة وتنظيماً، حتى أصبح قادراً على ضرب أهداف في شمال الأرض المحتلة وفرض معادلات هجومية لم تكن موجودة في السابق دعما للجمهورية الاسلامية.
أما في غزة، وهي منطقة صغيرة جداً مقارنة بدول المنطقة، فإن إسرائيل لم تستطع خلال عقود طويلة القضاء على حركة حماس أو إنهاء وجودها العسكري والسياسي. لقد خاضت إسرائيل حروباً متكررة ضد القطاع، وفرضت حصاراً قاسياً عليه، ومع ذلك لم تتمكن من تحقيق هدفها الاستراتيجي في إنهاء الحركة. وإذا كانت هذه القوى لم تستطع حسم الصراع في اليمن، ولم تتمكن من القضاء على حزب الله في لبنان، ولم تنجح في إنهاء حماس في غزة ذات المساحة الصغيرة، فكيف يمكن تصديق الرواية التي تقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على السيطرة على إيران أو إسقاط نظامها بالقوة؟
إيران ليست قطاعاً جغرافياً صغيراً ولا دولة سهلة التضاريس. إنها دولة واسعة جداً تمتد عبر جبال شاهقة وسلاسل جبلية معقدة وصحارى شاسعة ومناطق طبيعية متنوعة، وهي جغرافيا تجعل أي حرب برية واسعة مغامرة شديدة الخطورة. وإلى جانب هذه الجغرافيا الصعبة تمتلك إيران بنية عسكرية وسياسية متماسكة وخبرة طويلة في إدارة الصراعات. لذلك فإن الحديث عن السيطرة عليها عسكرياً أو إسقاط نظامها بالقوة يبدو أقرب إلى الخطاب الدعائي منه إلى التحليل الواقعي.
لكن المسألة لا تتعلق بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضاً بمسألة المصداقية السياسية. فالشعوب التي خاضت تجارب مع الولايات المتحدة تدرك أن التحالف معها ليس ضمانة دائمة، وأن واشنطن قد تتخلى عن حلفائها في اللحظة التي تتغير فيها مصالحها. أفغانستان تقدم المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. فقد دمرت الولايات المتحدة البلاد واحتلتها لعشرين عاماً بحجة القضاء على حركة طالبان، وأنشأت حكومة موالية لها وبنت جيشاً ومؤسسات دولة تحت إشرافها، ثم فجأة قررت الانسحاب. حدث ذلك خلال أيام قليلة وكأن عشرين عاماً من الحرب لم تكن سوى فصل مؤقت في حسابات السياسة الأمريكية. انهارت الحكومة التي بنتها واشنطن، وعادت طالبان إلى الحكم، بينما فرّ أنصار الولايات المتحدة إلى المطارات وإلى المنافي في شتات الأرض بعد أن تخلت عنهم.
والمشهد ذاته يتكرر بصورة مختلفة في أوكرانيا، حيث تُرك الأوكرانيون في مواجهة مباشرة مع الدب الروسي. لقد تحولت بلادهم إلى ساحة مواجهة كبرى استُخدمت إلى حد كبير لمشاغلة روسيا واستنزافها، بينما يتحمل الشعب الأوكراني الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة. هذه التجارب تطرح سؤالاً مهماً أمام أي معارضة داخل إيران قد تراهن على الولايات المتحدة. فحتى لو افترضنا جدلاً أن واشنطن تمكنت من تحقيق بعض أهدافها داخل إيران، فإن هذه المعارضة وهي أقلية محدودة لن تستطيع الصمود أمام أغلبية إيرانية ما زالت متمسكة بنظام ولاية الفقيه. ومع مرور الوقت قد تتخلى الولايات المتحدة عنها كما تخلت عن حلفائها في أفغانستان، لتجد نفسها في مواجهة مصيرها وحدها.
العراق بدوره يقدم مثالاً آخر على هذه الحقيقة. فبعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 صعدت بعض القوى السياسية على ظهر الدبابات الأمريكية، لكنها لم تستطع ترسيخ وجودها الحقيقي داخل المجتمع. وعندما انسحبت الولايات المتحدة، عادت القوى الشيعية التي كانت تقاتل الاحتلال أو تعارضه لتصبح هي القوى المسيطرة على الحكومات العراقية. أما كثير من أنصار واشنطن الذين جاؤوا معها أثناء الاحتلال فقد انتهى بهم الأمر لاجئين في دول الغرب، إلى جانب قيادات حزب البعث التي سلّمت نفسها لأمريكا دون قتال طمعاً في العودة إلى حكم العراق.
واليوم، ومع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبدو صورة الصراع أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فواشنطن لم تتمكن حتى الآن من تحقيق هدفها الأساسي وهو إسقاط نظام ولاية الفقيه رغم قتلها للمرشد الاعلى واغلبية قيادات الجمهورية الإسلامية، كما لم تستطع إيجاد قوة داخلية قادرة على خوض الحرب نيابة عنها داخل إيران أو في جوارها المباشر. لقد حاولت الولايات المتحدة الاعتماد على بعض الأطراف الإقليمية، لكن حسابات هذه الدول حالت دون ذلك. فقد رفض أكراد العراق الدخول في مواجهة مع إيران، كما رفضت أذربيجان أيضاً الانخراط في مثل هذا الصراع وكذلك تركيا. ومع تزايد الضغوط الأمنية واستهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج، أصبحت بيئة الصراع أكثر تعقيداً بالنسبة لواشنطن.
هذا الواقع يفتح الباب أمام احتمال كبير يتمثل في إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيراً ما تؤدي إلى إعادة رسم الخرائط السياسية. وإذا استمرت الصراعات الحالية فقد نشهد تحولات جغرافية وسياسية كبيرة في المنطقة. كل الاحتمالات تصبح مطروحة في مثل هذه اللحظات التاريخية؛ فقد تختفي بعض الدول الصغيرة التي نشأت في ظروف تاريخية معينة مثل البحرين وقطر والإمارات والكويت، وقد تظهر في المقابل كيانات أكبر أو اتحادات إقليمية مثل دولة عمان الكبرى أو دولة اليمن الكبرى أو دولة العراق الكبرى أو دولة إيران الكبرى. هذه ليست نبوءات حتمية، لكنها احتمالات سياسية قد تفرضها التحولات الكبرى إذا تغير ميزان القوى في المنطقة.
ومن زاوية أخرى، كشفت هذه الصراعات أيضاً أزمة عميقة في النظام الدولي نفسه. فقد قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بخرق واضح للقانون الدولي في أكثر من مناسبة، الأمر الذي أدى عملياً إلى إضعاف هذا القانون وإفقاده كثيراً من هيبته. وعندما يسقط القانون الدولي أو يفقد احترامه، فإن التحالفات التي قامت على أساسه تبدأ بالتفكك أيضاً. وقد ظهر ذلك في مواقف كثير من الدول التي رفضت المشاركة في أي تحالف عسكري واسع ضد إيران، مفضلة البقاء خارج الصراع رغم الضغوط السياسية الكبيرة.
وإذا انتهت هذه المواجهة بفشل المشروع الأمريكي-الإسرائيلي في إسقاط النظام الإيراني أو إخضاعه، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة مختلفة تماماً عما كان مخططاً له. قد يبدأ حينها تشكل نظام إقليمي جديد، لكن هذا النظام لن يكون هو “الشرق الأوسط الجديد” الذي حلمت به الصهيو-أمريكية، بل شرق أوسط يتشكل وفق موازين القوى الحقيقية لشعوب المنطقة ودولها.
فالتاريخ في النهاية يثبت حقيقة واحدة: أن الشعوب قد تخسر معارك، لكنها إذا امتلكت الإرادة والهوية والقدرة على الصمود فإنها قادرة في النهاية على فرض وجودها، مهما بلغت قوة الخصوم الذين يواجهونها.


