حين تصمت الدولة… يتكلم القلق

حين تصمت الدولة… يتكلم القلق
الحادثة الغامضة في صحراء العراق تمثل تحذيراً وطنياً، حيث تتطلب اليقظة والشفافية من السلطات، مع التأكيد على أهمية القوات الأمنية لحماية الأرض والمقدسات ومنع انتشار الشائعات والتوتر في منطقة حساسة كنجف وكربلاء....

ليس أخطر على الأوطان من الأحداث الغامضة التي تقع في الظل، ثم يحيطها الصمت من كل جانب. فما جرى في صحراء النخيب، حيث سقط شهيد من الجيش العراقي وجرح آخرون في حادثة غامضة، ليس مجرد واقعة عسكرية عابرة، بل جرس إنذار ينبغي أن يوقظ كل ضمير وطني. العراق اليوم يقف في قلب منطقة مضطربة تتصاعد فيها التوترات يوماً بعد يوم. المنطقة كلها على صفيح ساخن، والصراع بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط يزداد احتداماً، خصوصاً مع التصعيد المستمر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى. وفي مثل هذه اللحظات الخطيرة، لا يمكن النظر إلى العراق بمعزل عن هذه المعادلات. فموقعه الجغرافي، وحدوده الطويلة، وتشابك علاقاته الإقليمية، كلها عوامل تجعل أرضه عرضة لأن تتحول إلى ساحة رسائل أو ميدان ضغط بين القوى المتصارعة. إن أسوأ ما يمكن أن يخشاه العراقيون هو أن تتحول أرضهم مرة أخرى إلى ممر للحروب أو ساحة لتصفية الحسابات الدولية. لقد دفع العراق في تاريخه الحديث أثماناً باهظة من الدم والدموع، ولا يجوز أن يُعاد فتح أبواب المأساة من جديد. وما يزيد القلق أن الحادثة وقعت في منطقة شديدة الحساسية، بين النجف وكربلاء، وهما المدينتان اللتان تمثلان قلباً روحياً لملايين المؤمنين في العالم.

وأي اضطراب أمني في هذه الجغرافيا الحساسة لا يمكن أن يُنظر إليه كحادث عابر، بل كإشارة تستحق الوقوف عندها بجدية ومسؤولية. ومع كل هذه المخاوف، يبقى العراقيون مؤمنين بوطنية مؤسساتهم الأمنية. فالجيش العراقي والقوات الأمنية والحشد الشعبي أثبتوا عبر السنوات أنهم أبناء هذا الوطن وحماته الحقيقيون. وقد وقفوا جميعاً في وجه أخطر موجة إرهاب شهدها العراق، وقدموا التضحيات الكبيرة دفاعاً عن الأرض والمقدسات. لكن الثقة لا تعني الغفلة. فالوطنية الحقيقية تقتضي اليقظة، لأن الأوطان لا تُحمى بالنوايا الطيبة وحدها، بل بالوعي والحذر والاستعداد. إن الشعب العراقي اليوم لا يطلب المستحيل. كل ما يطلبه هو الحقيقة. فالصمت الرسمي في مثل هذه الأحداث لا يطمئن الناس، بل يفتح أبواب القلق ويترك المجال واسعاً أمام الشائعات والتأويلات. العراق ليس أرضاً سائبة، وسيادته ليست موضوعاً قابلاً للغموض. ومن حق العراقيين أن يعرفوا ما الذي حدث في صحرائهم، ومن الذي استهدف أبناء جيشهم، ولماذا حدث ذلك. إن التاريخ علمنا درساً قاسياً: الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ بحوادث صغيرة في أطراف الصحارى. ولذلك فإن الحكمة تقتضي أن ننتبه مبكراً لكل إشارة، وأن نواجه الغموض بالوضوح، والقلق بالحقيقة. العراق الذي صمد في وجه العواصف قادر على حماية نفسه، شرط أن تبقى عيون أبنائه مفتوحة، وأن يبقى صوت الحقيقة أعلى من صوت الصمت. فالأوطان التي يسهر أبناؤها على حمايتها لا تُؤخذ على حين غفلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *