لم يكن بيان المرجعية طويلاً في سطوره، لكنه كان بالغ الوضوح في معانيه، عميق الدلالة في إشاراته.. كلمات قليلة، لكنها جاءت كفيلة بوضع النقاط فوق الحروف، وكشف كثير من الغموض الذي أحاط بالمواقف والتقديرات.. فبعد صدور البيان لم يعد المشهد كما كان قبله؛ إذ رسم بوضوح حدود الموقف، ورفع كثيراً من الالتباس الذي ربما شاب قراءة البعض للأحداث الجارية.
إن قيمة هذا البيان لا تكمن في حجمه، بل في دلالاته السياسية والأخلاقية والإنسانية.. فقد جاء خطاب المرجعية، كما هو معهود، محمّلاً بلغة المسؤولية والوعي بخطورة المرحلة، ومعبّراً عن رؤية تتجاوز اللحظة الآنية إلى استشراف مآلات الصراع وتداعياته على المنطقة والعالم.
وفي قراءة أولية لمضامين بيان مكتب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، الصادر يوم الأربعاء الرابع من آذار 2026، يتضح أنه أشار بجلاء، ومن دون مواربة، إلى أن الذين يسقطون جراء القصف الصهيو–أمريكي إنما هم شهداء أبطال، لأنهم يدافعون عن وطنهم في مواجهة عدوان خارجي.. كما لم يغفل البيان الإشارة إلى الجرائم التي ارتكبها هذا العدوان، وما خلّفه من استهداف للأطفال والمدنيين الأبرياء، فضلاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة.
غير أن الدلالة الأعمق في البيان تمثلت في توصيف الحرب بأنها بادرة خطيرة، وهو توصيف ينطوي على قراءة دقيقة لمآلات الصراع، فالحروب في هذه المنطقة، كما أثبتت التجارب السابقة، لا تبقى محصورة في حدودها الأولى، بل سرعان ما تتحول إلى بؤر توتر واسعة تمتد آثارها إلى الإقليم والعالم، وتفتح أبواب الفوضى والاضطرابات الاقتصادية والسياسية لسنوات طويلة.
ومن هنا جاءت إدانة المرجعية الرشيدة الصريحة وبأشد الكلمات، لهذه الحرب، وهي إدانة لا تُفهم بوصفها موقفاً سياسياً آنياً فحسب، بل باعتبارها موقفاً مبدئياً ينطلق من رفض العدوان، والدفاع عن حق الشعوب في السيادة والأمن والاستقرار… كما أنها تمثل دعوة أخلاقية وسياسية في آن واحد، موجهة إلى الأحرار في العالم وإلى المسلمين على وجه الخصوص، لاتخاذ موقف واضح إزاء ما يجري، يقوم على التنديد بالعدوان والتضامن مع الشعب الإيراني المظلوم.
لكن البيان لم يقف عند حدود الإدانة والتنديد، بل تجاوز ذلك إلى الدعوة لتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته، وخصوصا الدول الإسلامية، من أجل بذل الجهود الجادة لوقف الحرب فوراً، والعمل على معالجة أسبابها عبر الحلول السلمية، وفي مقدمتها إيجاد تسوية عادلة للملف النووي الإيراني وفق قواعد القانون الدولي وأطره المعترف بها.
وهكذا، فإن بيان المرجعية لم يكن مجرد تعليق على حدث عابر، بل كان قراءة واعية لمسار الأحداث، وتشخيصاً دقيقاً لطبيعة المخاطر الكامنة فيها، مع تقديم بوصلة أخلاقية وسياسية يمكن أن تهتدي بها المواقف في هذه المرحلة الحساسة.
لقد شخصت المرجعية مآلات المشهد، ورسمت معالم الطريق، ولم تترك مجالاً لرمادية المواقف أو ضبابية الرؤية.. فمن أراد أن يقرأ الحدث بوعي ومسؤولية، فإن البيان قد وضع أمامه الإطار الواضح لفهم ما يجري، وتحديد موقعه من هذا المشهد المضطرب.


