حينما نتحدث عنه الرادار الميليمتري فائق الدقة (AN/FPS-132 ) الذي يبلغ مداه 5 الالاف كيلومتر والذي استُهدف مؤخراً من قبل الحرس الثوري الايراني صباح الاحد في البحرين في اليوم الثاني من الحرب المفروضة على ايران من قبل اسرائيل واميركا، فلا بد من التعريج على واحدة من اهم واخطر تقانات تلك الحرب وضابطها التقني ومحركها الراداري، نحن هنا لا نتحدث عن جهاز رصد عادي او رادارات لمنظومات حربية عادية، ولا عن رادارات يمكن ان تُعطل بالتشويش، ما نتحدث عنه تقنية لا تخضع لقوانين الطيف الراديوي العادي، بل نحن نتحدث عن اطياف ترددية غاية في الدقة وفلكية الاثمان الا وهو طيف X-band ، وهذه التقانة هي النظام الجديد والذي يعتبر من اعلى اطوار الترددات المصنفة ضمن نطاق (ملي متري)، والحقيقة ان هذه التقانة الدقيقة هي اخر ما توصلت اليه منظومات الرصد والدفاع في العالم، وهي احدث ما توصل اليه العلوم الرادارية و الفيزياء العسكرية ، بل يمكن توصيفها بانها “العمود الفقري” لشبكة الدفاع الجوي العسكرية المتكاملة للحروب التقنية المعاصرة. هذا الرادار الاميركي الذي تم استهدافه في البحرين من قبل الحرس الثوري هو “الدماغ الإلكتروني” اذا صح التعبير الذي يربط بين خمسة من أعقد الأنظمة العسكرية الدفاعية في العالم، وتدميره يعني تحويل هذه المنظومات التي كلفت مليارات الدولارات إلى مجرد كتل حديدية صماء وخردة عسكرية عمياء لا فائدة منها عسكريا.
كيف يسيطر هذا الرادار على السماء؟
هذا النظام، الذي استغرق تطويره وتثبيته قرابة 16 عاماً يأتي كجزءٍ لا يتجزء من منظومات الرصد والتتبع الرادارية الاميركية والاسرائيلية في المنطقة، ويشكل امتدادا للمشاريع التي كانت مخصصة لمواجهة الرؤوس النووية السوفيتية (الروسية)، فهو الذي يمنح الأوامر والبيانات ويتيح فضاء التوشيج الراداري بين العديد من المنظومات العسكرية الثابتة والمتحركة في مراكز القيادة والسيطرة الحربية الاميركية، كما و يربط كل تلك الوحدات بأنظمة الاقمار الصناعية المتقدمة ، والتي تعمل بالمحصلة كدروع وقائية وقبب حامية ضد مقذوفات العدو او توجيه الطائرات والصواريخ الاميركية، نظرا لكونه يُسخّر ويستخدم الذكاء الاصطناعي الفوري ويتيح الربط والتوشيج اللحظي لكل من:
* منظومات “ثاد” (THAAD): وهي خط الدفاع الأول في الفضاء الخارجي. فهذا الرادار المتقدم هو الذي يحدد لـ “ثاد” نقطة الاعتراض خارج الغلاف الجوي بدقة متناهية.
* بطاريات “باتريوت” (Patriot): يزودها بالبيانات النهائية لتدمير الصواريخ الباليستية والطائرات في طبقات الجو العليا.
* مقلاع داوود (David’s Sling): يعمل الرادار كـ “مُوجه” لهذا النظام المصمم لاعتراض الصواريخ متوسطة المدى والمجنحة (كروز).
* القبة الحديدية (Iron Dome): رغم استقلاليتها، إلا أن هذا الرادار العملاق هو الذي يعطيها “الصورة الكبيرة” والإنذار المبكر قبل أن تدخل الصواريخ قصيرة المدى حيز التغطية المحلي، مما يرفع من كفاءتها بشكل مذهل.
* أنظمة “السيرام” (C-RAM): وهي خط الدفاع الأخير لحماية القواعد من القذائف والمسيرات الانتحارية. هذا الرادار المذهل هو الذي يوجه “رشاشات الليزر والمدافع” السريعة لاصطياد الأهداف القريبة و الصغيرة جداً.
لماذا هذا الرادار تحديداً؟
قد يخفى على الكثيرين والعديد من المراقبين ان هذا الرادار يمثل حصيلة عمل يصل الى قرابة 16 عاماً، حيث ان التحدي لم يكن في تصنيعه فقط، بل في “برمجة” لغة مشتركة تجعل “الباتريوت” يتحدث مع “القبة الحديدية” و”ثاد” في جزء من الثانية وبواسطة اتصالات فضائية بعيدة المدى . هذا الربط هو الذي استنزف المليارات من الدولارات ويعتبر من اكثر المنظومات الدفاعية الاميركية كلفة وبميزانية مهولة، فتجهيز منظومة واحدة او بطارية واحدة منه تتطلب مئات الملايين من الدولارت ويستغرق اعواما مديدة، بل ربما عقوداً من البحث والعمل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى وصلت تقانته لهذا التطور لمواجهة السلاح النووي السوفيتي(الروسي).
* كلفة اعطاب وافشال هذه المنظومة الرادارية لا تُقاس فقط بملياري دولار (ثمن الوحدة)، بل بكونه يمثل “نقطة الفشل الواحدة” (Single Point of Failure). فهو إذا ما سقط، تسقط معه “خماسية الردع” كاملة في تلك المنطقة.
وبالنهاية فان تحييد هذه المنظومة من قبل الحرس الثوري الايراني صباح الاحد كان يجسد حجم الكارثة التي لحقت بمنظومة الردع الالكترونية الرادارية لاميركا واسرائيل في منطقة الحرب، حيث عم الصمت المطبق وانعدمت اركان التوجيه لمنظومات رئيسة في هذه الحرب.
من هنا، فعندما
سقط حارس السماء حينما تم استهداف هذا الرادار الميليمتري فان الاقتدار الايراني ودقته وحنكته، لا يقاس بنجاحه في عملية عسكرية وحسب، بل هو بمثابة “قطع لرأس الأفعى”، ما يعني دخول وقائع الحرب في ظل استحقاقات تحول تاريخي؛ فالسلاح الذي صُنع ليحمي الغرب من “يوم القيامة النووي” السوفيتي(الروسي)، ومن خصوم اميركا في حروبها العبثية في المنطقة، بات اعمى وعاجزا اليوم ، حيث نالت منه طائرة مسيرة ايرانية لا يتعدى ثمنها ال 2000 دولار وبمحركات بدائية وبتصميم يستطيع اي طالب هندسة طائرات ان يصنعها ، فهي طائرة مسيرة زهيدة الثمن، حتى ان العراقيبن يشبهون محركها بمحرك ـ (مولدة التيجر الكهربائية) الرخيصة لتشابه صوتها مع صوت تلك الطائرة او يشبهونها بصوت الدراجة النارية.
وبالمحصلة، فان استراتيجيات الحرب الجديدة أثبتت بما لا يقبل الشك انه ورغم هول الانفاق العسكري الاميركي والاسرائيلي، الا ان ضربة عسكرية بسيطة كهذه قد تغرز شوكة في “العين التي ترى كل شيء”، وبالتالي يمكن إعماؤها، وعندما تعمى مثل تلك العين باهضة الاثمان، حينها لا قيمة لكل الصواريخ والبطريات مهما بلغت دقتها وقوتها . وما رميت اذا رميت. ولكن الله رمى.


