ولن يُخلف الله وعده … بوصلة المواقف …

ولن يُخلف الله وعده ... بوصلة المواقف ...
يرى النص رحيل علي الخامنئي اختباراً إيمانياً كشف تماسك المجتمع الإيراني، مؤكداً أن الضغط الخارجي عزز الهوية والوحدة بدل تفكيكهما، وأن المسار المؤسسي والعقائدي يستمر رغم غياب الرموز، استناداً إلى وعد إلهي بالصبر والنهوض....

في اللحظات العظيمة من تاريخ الأمم، تُقاس قوة الشعوب لا بما تفقده، بل بما تُظهره من ثبات بعد الفقد. وحين ترتقي الشخصيات الكبرى إلى مقام الشهادة، يظن الأعداء أن الفراغ قد وُلد، وأن الطريق صار مفتوحًا أمام الانهيار، لكنهم يكتشفون متأخرين أن الفكرة حين تسكن القلوب لا تموت، وأن الدم حين يمتزج بالعقيدة يتحول إلى بداية جديدة لا إلى نهاية.

لقد كان رحيل السيد علي الخامنئي … كما يراه أنصاره ومحبيه .. لحظة اختبار قاسية، لكنها كشفت حقيقة لم يفهمها خصومه يومًا: أن الإيمان لا يُدار بشخص واحد، بل يتجدد في أمة كاملة. ظن كثيرون أن الحزن سيكسر الإرادة، فإذا بالحزن يتحول إلى وعيٍ أشد، وإلى تماسكٍ أعمق، وإلى حضورٍ شعبيٍ أعاد تعريف معنى الوفاء.

الآية الكريمة ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين لم تكن مجرد تعزية روحية، بل قانونًا نفسيًا وتاريخيًا؛ فالمؤمن حين يوقن أن وعد الله حق، يرى الأحداث بمنظار مختلف. الخسارة عنده ليست سقوطًا، بل مرحلة من مراحل الامتحان التي تسبق النهوض.

المفارقة التي لم يتوقعها خصوم إيران كانت مشهد الشوارع نفسها التي انتظروا أن تمتلئ بالاحتجاج، فإذا بها تمتلئ بالوجوه التي جاءت لتعلن استمرار الطريق. سنوات طويلة كان فيها الرئيس الأمريكي المغرور دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوجهان الخطابات للشعب الإيراني مطالبين إياه بالخروج ضد نظامه، لكن المفاجأة أن الناس خرجوا فعلًا، لا كما تمنوا، بل ليؤكدوا تمسكهم بخياراتهم، وليعلنوا أن الضغط الخارجي لا يصنع ولاءً جديدًا بل يعزز الهوية القائمة.

هنا تتجلى السخرية الكبرى في السياسة: من ظن أنه يقرأ مزاج الشعوب اكتشف أنه كان يقرأ أمنياته فقط. فالشعوب لا تتحرك وفق ما يُقال لها عبر الشاشات، بل وفق ما تشعر أنه يمس كرامتها ووجودها. وحين يتحول الضغط إلى تهديد، يصبح التماسك رد الفعل الطبيعي.

إن لحظات الألم الكبرى تكشف معدن المجتمعات. المؤمنون والمؤمنات اليوم لا يقفون عند حدود الحزن، بل عند معنى المسؤولية؛ مسؤولية الحفاظ على القيم، وعلى الوحدة، وعلى الصبر الذي يجعل الأمة أقوى من الصدمات. فالإيمان الحقيقي لا يُقاس في ساعات الهدوء، بل في لحظات العاصفة.

ولذلك فإن الفرحة التي حاول الأعداء رسمها سرعان ما تبددت أمام مشهد مختلف: أمة تستحضر تاريخها، وتعيد ترتيب صفوفها، وتؤمن أن الأشخاص يرحلون لكن المسار يبقى. وما ظنه البعض نهايةً تحول إلى لحظة إعادة ولادة معنوية.

إن وعد الله ليس شعارًا عاطفيًا، بل سنّة تتكرر عبر التاريخ؛ كلما ظن الظالم أن اللحظة حُسمت لصالحه، جاءت الوقائع لتقول إن القوة الحقيقية ليست في السلاح ولا في الضجيج الإعلامي، بل في الإيمان الذي يمنح الإنسان القدرة على الوقوف مرة أخرى.

ولهذا يبقى المعنى الأعمق حاضرًا: لن يُخلف الله وعده. فالأعلون ليسوا من لا يُصابون، بل من لا ينكسرون، ومن يحولون الألم إلى عزيمة، والخسارة إلى بداية طريق جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *