في حال اندلاع مواجهة مفتوحة أو تصعيد واسع بين الولايات المتحدة وإيران لن يكون العراق مراقباً من بعيد ولا متأثراً عرضياً بتداعيات الصراع، بل سيكون في صلب المشهد بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته السياسية والأمنية والاقتصادية مع الطرفين . فالعراق يقع عند نقطة تماس استراتيجية تربط الخليج بالمشرق وتشكل ممراً حيوياً للطاقة والتجارة، كما أنه يحتضن تداخلاً معقداً في المصالح والنفوذ يجعل أي توتر إقليمي ينعكس عليه مباشرة.
إن هذا الموقع الذي يمنحه وزناً جيوسياسياً كبيراً يتحول في لحظات الأزمات إلى عبء ثقيل إذا لم يكن مدعوماً بدولة قوية قادرة على إدارة التوازنات الدقيقة . التصعيد بين واشنطن وطهران لا يعني بالضرورة حرباً شاملة تقليدية، فقد تتخذ المواجهة أشكالاً متعددة تبدأ بضربات محدودة أو عمليات ردع متبادلة وتنتهي بحرب ظل طويلة الأمد تستخدم فيها الأدوات الاقتصادية والإعلامية والسيبرانية .
وفي جميع هذه السيناريوهات يكون العراق معرضاً لأن يتحول إلى ساحة رسائل غير مباشرة، سواء عبر استهداف مواقع أو عبر ضغوط سياسية واقتصادية تهدف إلى إحراجه أو دفعه لاتخاذ مواقف حادة. الخطورة هنا لا تكمن فقط في حجم القوة العسكرية المستخدمة بل في قابلية الداخل للاهتزاز، لأن أي انقسام سياسي أو أمني قد يفتح الباب أمام تدخلات أوسع ويجعل القرار الوطني رهينة حسابات خارجية .
العراق يرتبط بعلاقات أمنية مع الولايات المتحدة في إطار التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب، كما تربطه بإيران علاقات تاريخية واقتصادية واجتماعية عميقة. هذا التشابك يمنحه هامشاً للحركة إذا أُحسن استثماره، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط إذا غابت الرؤية الاستراتيجية الموحدة . إن التحدي الأكبر لا يتمثل في الميل نحو هذا الطرف أو ذاك، بل في تثبيت مبدأ أن الأراضي العراقية ليست منصة لتصفية الحسابات، وأن القرار الوطني يصدر وفقاً لمصالح العراق أولاً . تحقيق هذا الهدف يتطلب إجماعاً سياسياً واضحاً يضع الاستقرار فوق أي اعتبارات فئوية أو آنية، لأن الانقسام الداخلي هو المدخل الأسهل لأي اختراق خارجي .
إن حصر السلاح بيد الدولة يمثل حجر الزاوية في معادلة السيادة، فالدولة التي لا تحتكر القوة لا تستطيع أن تضبط إيقاعها في أوقات الأزمات . تعدد مراكز القرار الأمني يخلق ضبابية قد تُفسَّر إقليمياً كرسائل رسمية حتى لو لم تكن كذلك، وأي فعل غير منضبط قد يستجلب رداً خارجياً واسعاً يدفع المجتمع بأسره ثمنه . لذلك فإن بناء مؤسسات أمنية محترفة وموحدة العقيدة الوطنية، وتطوير قدراتها الاستخبارية والتقنية، ليس مسألة تنظيم إداري بل شرط أساسي لمنع الانزلاق غير المقصود إلى صراع أكبر .
إلى جانب البعد الأمني يبرز العامل الاقتصادي كأحد أكثر الجوانب حساسية في حال اندلاع مواجهة إقليمية . يعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على صادرات النفط، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسواق وأي اضطراب في طرق التصدير أو حركة الملاحة . كما أن أي تصعيد قد يعيد إلى الواجهة ضغوطاً مالية أو قيوداً مصرفية تؤثر في حركة التحويلات والتعاملات التجارية .
الأخطر من الخسائر المباشرة هو تراجع الثقة، فالمستثمر بطبيعته يبحث عن بيئة مستقرة، وإذا شعر بأن البلاد مقبلة على مرحلة اضطراب طويل الأمد فإنه يتجه إلى تجميد نشاطه أو نقله إلى أماكن أكثر أمناً . من هنا يصبح تنويع الاقتصاد مسألة أمن وطني لا مجرد خيار تنموي. تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والطاقة المتجددة يمنح العراق مرونة أكبر في مواجهة الصدمات، كما أن بناء احتياطيات مالية قوية وإدارة الدين العام بحكمة يتيحان للحكومة هامش حركة أوسع في أوقات الطوارئ . الاقتصاد المتنوع لا يلغي أثر الأزمات لكنه يقلل من حدتها ويمنع تحولها إلى انهيار شامل .
البعد الاجتماعي لا يقل أهمية عن الأمن والاقتصاد، فالحروب الحديثة تستهدف الروح المعنوية بقدر ما تستهدف البنية التحتية. حملات التضليل الإعلامي وإثارة الانقسامات الطائفية أو القومية يمكن أن تزعزع الاستقرار حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة. لذلك فإن تعزيز الهوية الوطنية الجامعة وترسيخ ثقافة المواطنة والاحتكام إلى القانون تمثل خطوط دفاع غير مرئية لكنها شديدة التأثير . المجتمع الواثق بدولته أقل عرضة للانجرار خلف الشائعات وأقدر على التماسك في أوقات الشدّة .
في هذا السياق تلعب الدبلوماسية دوراً محورياً في تخفيف المخاطر. العراق ليس مضطراً لأن يكون جزءاً من محور ضد آخر، بل يمكنه أن يوظف علاقاته المتوازنة لتحويل موقعه من ساحة صراع إلى مساحة تواصل . الانخراط الإيجابي مع جميع الأطراف، وإيصال رسائل واضحة برفض استخدام الأراضي العراقية لتصفية الحسابات، يمنح بغداد موقعاً تفاوضياً أفضل ويعزز صورتها كدولة تسعى إلى الاستقرار الإقليمي لا إلى تغذية التوتر. كلما اتسعت شبكة علاقات العراق الإقليمية والدولية تراجع احتمال حصاره في زاوية ضيقة بين قوتين متصارعتين .
في النهاية، قد لا يكون بيد العراق منع اندلاع صراع بين الولايات المتحدة وإيران إذا ما اتجهت الأمور نحو التصعيد، لكنه يملك القدرة على تقليل كلفة ذلك الصراع على أرضه. معيار القوة الحقيقي لا يكمن في حجم الترسانة العسكرية وحدها، بل في وحدة الداخل وصلابة المؤسسات وثقة المواطن بدولته. عندما تتكامل هذه العناصر يصبح الاستقرار الداخلي سداً منيعاً في وجه أي اضطراب خارجي، ويغدو العراق قادراً على عبور العواصف بأقل الخسائر الممكنة . وبين قدر الجغرافيا وإرادة السياسة تبقى المسؤولية الوطنية هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان العراق ساحة صراع أم دولة تفرض توازنها وتحمي سيادتها .


