لم تعد أزمة الثقة في العراق أزمة مكوّن واحد، بل أزمة هوية وطنية مؤجلة غذتها التدخلات الخارجية وسوء الإدارة الداخلية، وتراكم الخيبات المتبادلة، وفي قلب هذه الأزمة يقف أكراد العراق بين رهان خارجي ثبت تاريخيًا هشاشته وداخل وطني لم ينجز بعد عقده الجامع.
أولًا: دروس التخلي… تاريخ لا يُكذب
تجربة أكراد العراق مع القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، أثبتت أن الدعم الخارجي وظيفي ومؤقت، والضمانات الدولية مرهونة بالمصلحة، وعندما تتغير الحسابات يغلق الملف بلا تردد، من اتفاق الجزائر 1975 إلى استفتاء 2017 وصولًا إلى ما يجري اليوم في سوريا، تتكرر الرسالة نفسها، من لا يمتلك عمقًا وطنيًا يترك وحيدًا عند أول منعطف.
ثانيًا: وهم الحماية الدولية مقابل هشاشة الداخل
الخطأ الاستراتيجي الأكبر لم يكن في التواصل مع الخارج، بل في الاعتماد عليه كبديل عن الشراكة الوطنية، هذا الرهان أضعف الاستثمار في العلاقة مع بغداد وعمّق الفجوة النفسية والسياسية داخل الدولة، لكن المسؤولية هنا ليست كردية فقط، بل عراقية عامة، لأن الدولة نفسها فشلت مرارًا في تقديم نموذج شراكة مطمئن ومتوازن.
ثالثًا: رسالة سوريا… إنذار مبكر للعراق
ما يحدث مع أكراد سوريا اليوم يجب أن يُقرأ بعقل بارد في أربيل والسليمانية، دور أُنجز، كلفة ارتفعت، وحماية بدأت تتآكل، الرسالة ليست موجهة للأكراد وحدهم، بل لكل من يعتقد أن الخارج يمكن أن يصنع استقرارًا دائمًا دون عقد وطني داخلي.
رابعًا: مسؤولية السنة والشيعة… بلا مواربة
الحديث عن عودة الأكراد إلى الوطن يفقد صدقيته إذا لم يُقابله استعداد شيعي حقيقي للتخلي عن منطق الشك والهيمنة، واستعداد سني للخروج من موقع التوجس والحياد السلبي، أن طمأنة الأكراد ليست منة سياسية، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة، من دون شراكة متوازنة سيبقى الخوف الكردي مبررًا حتى لو كان الرهان الخارجي خاسرًا.
خامسًا: نحو هوية عراقية جامعة
العراق لا يدار بثلاث هويات متقابلة، ولا بمنطق الغالب والمغلوب، بل بهوية جامعة تعترف بالخصوصية دون انعزال، والمشاركة دون إلغاء،
والسيادة دون تبعية، هذه الهوية لا تفرض بل تُبنى بإرادة سياسية مشتركة.
سادسًا: قبل أن يأتي التخلي الأكبر
الخطر الحقيقي ليس في قرار أمريكي معلن،
بل في لحظة صامتة تُعاد فيها رسم خرائط النفوذ، وتغلق الملفات، ويُترك الداخل يواجه تصدعاته وحده، عندها لن ينفع استدعاء الخارج ولا خطاب المظلومية، ولا تبادل الاتهامات.
على أكراد العراق أن يدركوا أن الوطن بكل تعقيداته أكثر أمانًا من أي ضمان خارجي.
وعلى السنة والشيعة أن يفهموا أن الشراكة مع الأكراد ليست تنازلًا، بل استثمارًا في استقرار العراق.
إما شراكة وطنية الآن أو تخليات دولية لاحقًا،
والقرار ما زال بأيدينا.


