المشهد الدولي لم يعد محكوماً بعنصر المفاجأة، بل بمنطق القلق المحسوب. التصريحات الصادرة من أعلى هرم القرار في واشنطن لا يمكن قراءتها كاستعراض عابر، بل كجزء من بناء بيئة ردعية مقصودة. الحديث عن تحريك حاملات طائرات، وقاذفات بعيدة المدى في دييغو غارسيا، وغواصات نووية في العمق، لا يشكل إعلان حرب بقدر ما يؤسس لما يُعرف في الاستراتيجية بهندسة مسرح العمليات قبل القتال.
في هذا السياق، تصبح عودة حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” إلى المنطقة فعلاً سياسياً بقدر ما هو عسكري. حاملات الطائرات الأمريكية ليست مجرد منصات إطلاق جوية، بل أدوات إدارة توازنات. وأن وجودها لا يُقاس بعدد الطائرات على متنها، بل بما تمثله من قدرة على تحويل القرار السياسي إلى فعل عسكري خلال ساعات، ومن دون اعتماد كامل على الجغرافيا البرية للحلفاء.
التهديد بإغراق حاملة الطائرات
عندما تقول دولة بحجم إيران إنها قد تستهدف حاملة طائرات أمريكية، فهي لا تعلن خطة عملياتية بقدر ما، ترفع سقف الردع إلى أقصى حد ممكن دون أن تضغط الزناد. لأن استهداف الحاملة يعني: ضرب رمز الهيبة العسكرية الأمريكية، واختبار مباشر لمصداقية الردع الأمريكي، وإدخال واشنطن في وضع يجب الرد بقوة ساحقة. أي أن طهران هنا تستخدم أخطر ورقة نفسية لديها، الحرب لن تكون محدودة… ولن تكون نظيفة. هذا خطاب موجه بالأساس إلى البيت الأبيض لا إلى البحرية الأمريكية.
هل تستطيع إغراق الحاملات؟
عسكرياً، الجواب الصريح: نعم، تمتلك إيران القدرة. لكن الاستراتيجية لا تُبنى على القدرة وحدها، بل على الكلفة.
إيران لم تبنِ عقيدتها العسكرية لمجاراة الولايات المتحدة، بل لتحييد تفوقها. وذلك من خلال امتلاكها، صواريخ بالستية مضادة للسفن، وصواريخ كروز، وأسراب مسيّرات، وزوارق انتحارية، وغواصات صغيرة، وألغام ذكية، وحرب إلكترونية. وكلك لديها أوراق ضغط مثل مضيق هرمز، هذا الشريط الضيق من الماء، هو المسرح المثالي لتحويل التفوق الأميركي إلى عبء.
إغراق حاملة طائرات ليس مستحيلاً، لكنه يعني آلاف القتلى الأميركيين في لحظة واحدة، ويعني أيضاً عبور خط لا عودة منه. مثل هذا الفعل لا يُقرأ كعملية عسكرية، بل كإعلان حرب وجودية. وهنا تكمن المفارقة. إيران قادرة، لكنها ليست مستعدة لدفع الثمن إلا إذا فُرض عليها
القوة العائمة بين الحرب والابتزاز
في الوعي الجمعي، حاملة الطائرات هي رمز الهيمنة الأميركية، تاج القوة العسكرية الكلاسيكية. لكن هذا الرمز نفسه تغيّر مع الزمن. في عام 2003، كانت حاملات الطائرات رأس الحربة في غزو العراق، تعويضاً عن نقص القواعد البرية، وأداة لحسم حرب تقليدية ضد دولة منهكة ومعزولة. أما اليوم، في عام 2026، فالحاملات لم تعد تعني الحسم بقدر ما تعني الضغط.
الولايات المتحدة تدرك أن حاملة الطائرات، رغم قوتها، باتت هدفاً عالياً في عصر الصواريخ البالستية الدقيقة والطائرات المسيّرة الرخيصة. ومع ذلك، تحشد ثلاثاً منها في بقعة واحدة. هذا وحده كافٍ لإسقاط رواية الاستعراض الفارغ. فالاستعراض لا يكون مكلفاً إلى هذا الحد، ولا يتم على حساب ترك فراغات استراتيجية في المحيط الهادئ أو قرب تايوان.
ما يجري ليس استعداداً لغزو بري، ولا إعادة إنتاج لسيناريو العراق، بل محاولة لفرض صدمة نفسية سياسية على إيران، من إرباك القرار، وتضييق هامش المناورة، ودفع النظام إلى خيارين أحلاهما مرّ.
لماذا لا يشبه هذا المشهد 2003؟
لأن إيران ليست العراق. ليست دولة معزولة، ولا نظاماً هشاً، ولا جيشاً تقليدياً ينتظر الصدمة الأولى. إيران دولة تقف على عتبة نووية، ذات عمق عقائدي، وشبكة حلفاء تمتد من الخليج إلى المتوسط. أي خطأ في الحسابات قد يحوّل ضربة سريعة إلى انفجار إقليمي شامل.
الولايات المتحدة تعلم ذلك، ولهذا تحاول اللعب تحت سقف الحرب الكبرى. ضغط عسكري، وتهديد بصري، رسائل متناقضة عن الرغبة في التفاوض، وأبواب خلفية لا تُغلق بالكامل. إنها سياسة الحافة، والاقتراب من الهاوية دون القفز.
هل يتكرر سيناريو اليمن؟
اليمن كان بروفة. هناك، واجهت الولايات المتحدة خصماً أقل حجماً، لكن بعقيدة مشابهة، صواريخ رخيصة، ومسيّرات، واستنزاف طويل. النتيجة؟ تفوق ناري بلا حسم، وكلفة متصاعدة، وانسحاب حين طال أمد المعركة.
مع إيران، سيكون السيناريو نفسه… لكن مضروباً في عشرة. الجغرافيا أوسع، القدرات أعقد، والارتدادات أخطر. أي محاولة لإخضاع إيران عبر الاستنزاف قد تتحول إلى نزيف مفتوح في الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي.
إيران لن تبدأ بإغراق حاملات الطائرات، ولن تغلق هرمز من اليوم الأول، ولن تضرب القواعد الأميركية مباشرة. لكنها ستراكم الضغط، وتستخدم الوكلاء، وتلوّح بالتصعيد دون كسره، ما لم تُستهدف القيادة العليا أو يُضرب البرنامج النووي بشكل قاتل. وعند تلك النقطة، تسقط الحسابات التقليدية، ويصبح كل شيء ممكناً.
حزام الأمن البحري
في شهر مارس من كل عام تجري مناورات بحرية مشتركة مع روسيا والصين في بحر عُمان والمحيط الهندي. هذه المناورات التي تُعرف بـ (حزام الأمن البحري) والتي تُنظم بانتظام منذ سنوات وتشارك فيها القوات البحرية من الدول الثلاث، لا يمكن قراءتها كتدريب عسكري تقني فحسب، بل حدث جيوستراتيجي مركّب يحمل رسائل تتجاوز المياه التي تجري فيها.
نحن هنا أمام تلاقي ثلاث قوى تختلف قدراتها، لكن يجمعها هدف واحد: إعادة تشكيل ميزان الرمزية العسكرية في أحد أهم شرايين العالم.
حيث أن الجغرافيا… عادةً تُصنع السياسة. فالمسرح الذي تجري فيه المناورات ليس عشوائياً، بل هو: مدخل مضيق هرمز، وبوابة الخليج إلى المحيط، وممر ثلث تجارة النفط العالمية، وعقدة ربط بين آسيا والشرق الأوسط وشرق إفريقيا. بمعنى آخر، هذه ليست مياه هامشية، بل شريان الطاقة والاقتصاد العالمي. عندما تتدرب ثلاث دول كبرى هنا، فهي لا تمارس الرماية فقط، بل تتموضع داخل الجغرافيا الحساسة للنظام الدولي.
لماذا هذا التحالف البحري تحديداً؟ كل طرف يدخل المناورات بدوافع مختلفة، إيران تريد كسر العزلة العسكرية، وإظهار أنها ليست محاصرة بحرياً. وروسيا تؤكد حضورها العالمي خارج البحر الأسود وأوروبا. والصين ترغب بحماية مسارات الطاقة وإظهار قدرة العمل بعيداً عن بحر الصين. لكن التلاقي بينهم ينتج معنى أكبر من مجموعهم. إنها مناورة ردع، ورسالة الى أمريكا، هناك قوى قادرة على العمل المشترك في نفس البيئة التي تتحرك فيها الأساطيل الأمريكية.


