في التاريخ السياسي الحديث، نادرًا ما تسقط الحكومات بفعل أخطائها وحدها. غالبًا ما تُسقَط عبر توجيه الجماهير، باستخدام شعارات جذابة، بسيطة، وعاطفية، لا تعكس بالضرورة حقيقة المشروع الذي يقف خلفها. فالجماهير، بطبيعتها، تتطلع إلى الجديد، حتى وإن كان هذا الجديد غامضًا أو غير مضمون، بل وأحيانًا أسوأ من الواقع القائم.
تكمن الخطورة في أن هذه الشعارات، رغم هشاشتها أو زيفها، تجد قبولًا واسعًا؛ لأنها تخاطب الإحباط لا العقل، والغضب لا التحليل. وحين تُختزل الأزمات المعقّدة في عناوين سهلة، يصبح الشارع أداة لا فاعلًا، ومجرد وقود في صراع أكبر منه.
الأكثر غرابة – وربما مأساوية – أن الجماهير في كثير من الحالات تعلم جيدًا أن الجهات التي تدفعها وتحرّضها ليست حريصة على مستقبلها، بل هي العدو الأول لاستقرار بلدانها. ومع ذلك، يجري التغاضي عن هذه الحقيقة تحت ضغط الأمل الكاذب بالتغيير السريع، أو بدافع الانتقام من واقع فاشل.
في هذه اللحظة، يتحول “التغيير” من مشروع إصلاحي إلى أداة هدم. فالقوى الخارجية لا تدفع الجماهير من أجل الديمقراطية أو العدالة، بل من أجل تفكيك الدول المنافسة، وضرب استقرارها الداخلي، وضمان أمنها هي أولًا. الشعارات ليست سوى غطاء ناعم لمشاريع قاسية.
ما يجري اليوم في إيران مثال صارخ على هذا النمط المتكرر في التاريخ السياسي. فالدفع الأميركي–الإسرائيلي الواضح باتجاه زعزعة الاستقرار لا يهدف إلى “تحرير الشعب”، بل إلى إضعاف الدولة، وإشغالها داخليًا، واستنزافها اقتصاديًا وأمنيًا. والأخطر أن هذا المشروع يُراد له أن يُنفَّذ بيد الشعب نفسه، لا بالجيوش.
وهنا لا يكون السؤال: هل من اكرم وانقى من من نظام الدين الاسلامي الحنيف ومن مثل السيد الخامنئي والشخصيات التي قدمها هذا النظام كمسؤولين وبغض النظر عن ان النظام مثالي أو خالٍ من الأخطاء؟
بل السؤال الأهم: من يستفيد من إسقاط الدولة؟
ومن يملك الجاهزية لملء الفراغ؟
فالتاريخ يعلّمنا أن إسقاط الحكومات دون بديل وطني واضح لا يؤدي إلى الحرية، بل إلى الفوضى، وأن الدول التي تُكسَر من الداخل باسم الشعارات، غالبًا ما تُعاد صياغتها وفق مصالح الخارج.
إن وعي الجماهير لا يُقاس بقدرتها على الغضب، بل بقدرتها على التمييز بين التغيير الحقيقي والتغيير المصنّع. فليس كل من يدعو إلى إسقاط حكومة صديقًا للشعب، وليس كل شعار براق طريقًا للخلاص.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الاحتجاج، بل في تسليمه لمن لا يريد للبلد أن ينهض.


