الشيعة الإمامية والخطّ التأسيسي للأمة؛ قراءة حضارية في الفرق بين الأمة والمدارس الفقهية

الشيعة الإمامية والخطّ التأسيسي للأمة؛ قراءة حضارية في الفرق بين الأمة والمدارس الفقهية
تؤكد الدراسة أنّ الجماعة الملتفّة حول النبي وأهل بيته كانت نواةً تأسيسية للأمة لا مذهبًا فقهيًا، وأنّ توصيف الإمامية كمذهب إسقاطٌ تاريخي متأخر، بينما نشأت المدارس الفقهية لاحقًا كتفرّعات اجتهادية....

مقدّمة

تعرّض تاريخ الإسلام، في قراءاته اللاحقة، لخلطٍ مفهوميّ عميق بين ما هو تأسيسيّ أمّيّ وما هو اجتهاديّ مدرسيّ، وهو خلطٌ أدّى إلى توصيفات غير دقيقة لطبيعة الجماعات الإسلامية الأولى، ولا سيما الجماعة التي التفّت حول النبي ثم حول أهل بيته من بعده. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط المفاهيم، لا بدافع المفاضلة الطائفية، بل بدافع الفهم الحضاري لمسار تشكّل الأمة.

أولًا: النواة التي تشكّلت حول القيادة التأسيسية

من الثابت تاريخيًا أن الجماعة التي التفّت حول النبي في حياته، ثم حول ابن عمّه وزوج ابنته علي بن أبي طالب، ثم حول ابنيه الحسن بن علي و**الحسين بن علي**، ثم حول الأئمة من ذريّة الحسين حتى عام 329هـ، لم تكن جماعةً فقهية ولا مدرسةً اجتهادية، بل كانت امتدادًا بشريًا مباشرًا للمسار التأسيسي الذي سعى النبي إلى ترسيخه ضمن مهمته الثالثة: بناء الأمة.

هذه الجماعة لم تتشكّل حول رأي فقهي أو منهج استنباط، بل حول قيادة مرجعية تُجسّد الاستمرارية القيمية والتربوية والسياسية للمشروع النبوي، في زمنٍ لم يكن قد شهد بعدُ تبلور المذاهب أو المدارس. وهذا تجسيد للرواية القائلة: لما نَزلتْ برَاءَةُ علَى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وقد كان بعثَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضِيَ اللَّهُ عنهُ لِيقيمَ للنَّاسِ الحجَّ قيل لهُ يا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لو بعثْتَ بها إلى أبي بَكرٍ فقال لا يؤَدِّي عني إلا رجُلٌ من أهلِ بيتي ثمَّ دعا عليَّ بنَ أبي طالبٍ فقال اخرُج بهذه القِصَّةِ من صدرِ براءَةَ

ثانيًا: لماذا لا يصح توصيف الإمامية بوصفهم “مذهبًا”؟

المذهب، في تعريفه العلمي، هو مدرسة فكرية فقهية نشأت لمعالجة مسائل الاستنباط بعد اكتمال التأسيس، ومع اتّساع المجتمع الإسلامي وتعدّد البيئات والسياقات. بهذا المعنى، لا يصحّ إطلاق وصف “مذهب” على جماعة كانت النواة التاريخية للأمة قبل نشوء علم الفقه المدرسي أصلًا.

إن توصيف الشيعة الإمامية الاثني عشرية بوصفهم “مذهبًا خامسًا” إلى جانب المذاهب الأربعة الشائعة، يُسقِط عليهم تصنيفًا متأخّرًا لا يطابق واقعهم التاريخي؛ إذ إنهم لم ينشأوا كمدرسة اجتهادية داخل الأمة، بل كانوا جزءًا من بنيتها التأسيسية التي انطلقت منها الاجتهادات لاحقًا.

ثالثًا: المدارس الفقهية بوصفها تفرّعات لا أصولًا

حين ننظر إلى نشوء المدارس الفقهية، نجد أنها ارتبطت بأسماء علماء كبار ظهروا في القرنين الثاني والثالث الهجريين، في سياق مختلف تمامًا عن سياق التأسيس، مثل أبو حنيفة النعمان، و**مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل**، وغيرهم من أئمة الاجتهاد.

هذه المدارس كانت محاولات علمية مشروعة لفهم النصّ وتنزيله على الواقع، وقدّمت إسهامات عظيمة في الفقه الإسلامي، لكنها—بحكم نشأتها التاريخية—تفرّعت عن الخطّ الإسلامي العام الذي تشكّل في مرحلة سابقة، ولم تكن هي ذلك الخطّ نفسه.

رابعًا: حالتان لا حالة واحدة

بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إننا أمام حالتين تاريخيتين مختلفتين:

الحالة الأولى: الخطّ الإسلامي التأسيسي، الذي مثّله النبي ثم الامتداد القيادي لأهل بيته، وهو خطّ بناء الأمة وترسيخ مرجعيتها القيمية والإنسانية قبل تشعّب الاجتهادات.

الحالة الثانية: المدارس الفقهية، وهي نتاجٌ لاحق لتوسّع الأمة وتعقّد واقعها، وقد تنوّعت بتنوّع البيئات والأسئلة، دون أن تمثّل أصل التأسيس نفسه.

هذا التمييز لا يُقصي أحدًا ولا يُفاضل بين إيمان وآخر، بل يضع كلّ تجربة في موضعها التاريخي الصحيح.

خامسًا: نحو تحرير المصطلح من الحمولة الطائفية

إن الإصرار على توصيف الإمامية بوصفهم “مذهبًا” مماثلًا للمذاهب الفقهية الأخرى، لا يخدم الفهم العلمي، بل يُغذّي الالتباس الطائفي. والأدقّ، من منظور حضاري، هو اعتبارهم امتدادًا تأسيسيًا داخل الأمة، مع الاعتراف بأن الفقه الإمامي—بوصفه علمًا—هو اجتهاد فقهي كغيره، لكنه نشأ داخل هذا الامتداد لا خارجه.

خاتمة

ليست هذه القراءة دعوةً لإعادة ترتيب “الشرعيات المذهبية”، ولا لإحياء نزاعٍ تاريخي، بل محاولة لتحرير الوعي الإسلامي من إسقاطات متأخرة، وردّ كلّ ظاهرة إلى سياقها. فالشيعة الإمامية الاثنا عشرية، في هذا الفهم، لا يُختزلون في كونهم “مذهبًا”، بل يُفهمون بوصفهم نواةً تأسيسيةً من نوى الأمة، سبق وجودها نشوء المذاهب، وتفرّعت عنها—كما تفرّعت غيرها—المدارسُ والاجتهادات.

وهذا التمييز، إن أُخذ بجدّية، يمكن أن يفتح أفقًا أوسع لفهم تاريخ الإسلام بوصفه مسار بناءٍ حضاريّ، لا مجرّد تنازع مذاهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *