تعاني قوى المقاومة من ضعف في نهجها الإعلامي، سواء في البرامج أو اختيار الضيوف وعلى الرغم من امتلاكها لتقنيات متطورة، لم تتمكن من حماية منجزاتها، أو توضيح مظلوميتها، أو الدفاع عن حقوقها بفاعلية، لأنها تتبنى مدرسة إعلامية حذرة ومقيّدة، تكتفي بالبقاء في دائرة التعبئة ورفع المعنويات، والإصرار على حتمية الانتصار في أي معركة وهذا يتعارض مع الموضوعية والسنن التاريخية، فكل حرب تحتمل النصر أو الهزيمة، ولا تشكل الهزيمة عارًا لجيش أو حركة مقاومة قاتلت بشجاعة حتى الاستشهاد، وكان سبب خسارتها عدم توازن القوى وليس الجبن أو الفرار.
يعتمد الإعلام المقاوم استراتيجية توظيف إعلاميين أو محللين سياسيين ينتحلون صفة الخبير، يتقنون فن المديح، والصراخ، والتهديد، والادعاء بمعرفة كل شيء، حتى همسات الرؤساء الخاصة ويتنافس هؤلاء في إعلان أسرار “وهمية” تثير السخرية غالبًا ويتم اختيارهم لسبب وحيد هو طاعتهم وتنفيذهم للتوجيهات، ليصبح الإعلامي أو المحلل المنتحل ، بمثابة مخبر أو مكبر صوت لما تريد المقاومة قوله، مما أوقع المقاومة وأهلها في دائرة الخيبة، وتحول هؤلاء إلى موظفين يرتزقون من المقاومة ويأكلون من “قصعتها” ما دامت بخير، لكنهم عندما تعرضت لانتكاسة واعتقدوا أنها انتهت، خلعوا قناعهم المقاوم وهربوا، وعرضوا ألسنتهم للإيجار عند الجهات المعادية، وبادر بعضهم إلى الغدر ونشر نعي المقاومة وتحديد موعد دفنها!
يكرر الإعلام المقاوم نفسه بالاستضافة المتكررة لنفس الوجوه الإعلامية والمحللين للحديث عن نفس القضايا، بنفس الأسئلة والأجوبة المتشابهة ورغم أنه يعاني من الحصار المفروض عليه عبر الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه يحاصر نفسه ذاتيًا بعدم الاستعانة بأصحاب الكفاءة والفكر والثقافة، خوفًا من أن يبدي الضيف رأيًا متمايزاً أو نقدًا بنّاءً يدعو للإصلاح،كما تغيب الأفلام الوثائقية التي تشرح للأجيال التي لم تعانِ من الاحتلال أو الاعتقال أو المجازر، ، وكذلك البرامج التحليلية التاريخية التي توضح جذور الصراع مع إسرائيل والأسباب التي أدت إلى نشأة المقاومة.
إن إنكار الإعلام المقاوم واهل المقاومة ،إمكانية خسارة أي معركة يتعارض مع الموضوعية والواقعية، فمجرد تجرؤ “ثلّة قليلة” محاصرة في لبنان على التصدي للقوة العظمى أمريكا ولإسرائيل المتوحشة وحلفائهما، يُعد انتصارًا وفخرًا بحد ذاته وخسارة “معركة” لا تمثل عارًا للمقاومة وطائفتها، فالدول العظمى هُزمت أمام أمريكا، والعالم العربي يخضع لـ”اللات” الأمريكي، وتُحسم أمريكا وإسرائيل معاركهما مع أي دولة عبر تصريح أو ضربة جوية أو خطف رئيس ومع ذلك، لم تستطيعان حسم المعركة لصالحهما بعد عامين من القتال ضد المقاومة وأهلها.
إن مسؤولية الإعلام المقاوم ، توضيح الحقائق، وهو مقصر حتى الآن في إبراز الاغتيالات الإسرائيلية التي تستهدف أساتذة ومهندسين وأطباء وعمال، وتدمير المنشآت المدنية والتربوية والصحية، وعدم تسليط الضوء على الـ 25,000 شهيد وجريح وأكثر من 100 ألف مهجر، الذين دمر العدو الإسرائيلي بيوتهم وأرزاقهم ويمنعهم من العودة، وهم من قدمهم “الشيعة اللبنانيون”الشرفاء دفاعًا عن فلسطين.
يصمت الإعلام المقاوم عن عقد الندوات والمؤتمرات التي تبرز الخسائر الاجتماعية والنفسية، وعن إعداد الملفات لتقديمها للمؤسسات الدولية للتعويض عن المدنيين، والاحتفاظ بهذه الملفات للحظة المناسبة؛ فلن تدوم سيطرة أمريكا وإسرائيل إلى الأبد، وسيتراجع نفوذهما عاجلاً أم آجلاً وعلينا أن نستفيد من تجربة أعدائنا، فهؤلاء اليهود لا يزالون يقبضون تعويضاتهم عما يدعونه من محرقة “الهولوكوست”، ويعودون الآن إلى بيوتهم في سوريا وأملاكهم في السعودية، وربما قريبًا في لبنان، ويطالبون بالتعويضات.
يجب المبادرة لإصلاح وتطوير الإعلام المقاوم، حفظًا للتضحيات والإنجازات، وتكون الخطوة الأولى التخلص وإنهاء عمل بعض الإعلاميين والمحللين السياسيين الذين يشوهون المقاومة ويلحقون بها ضررًا يفوق النفع، فالإعلام هو وجه ولسان المقاومة، ويجب أن يكون جميلاً وفصيحًا والأهم أن شرف الهدف (وهو حفظ المقاومة) يقتضي شرف الوسيلة المتمثلة بالإعلامي والمحلل السياسي، ولا يمكن الاستعانة بمن لا يليق بالمقاومين، فلا يجوز للإعلام المقاوم الاستعانة بإعلاميين أو محللين سياسيين يفتقرون إلى الأهلية الفكرية والثقافية والسلوكية.
لا ينبغي لقوى المقاومة والإعلام المقاوم أن ينطق باسمها من يتجاوزون الحدود الشرعية بالألفاظ البذيئة، أو اتهام الأعراض، أو ما شابه ذلك، حتى وإن تخطى الخصوم حدود الأخلاق. فالمقاومة تحكمها الأحكام الشرعية والأخلاق الإسلامية، كما لا يجوز للإعلام المقاوم أو المقاومة الاستعانة بمحاضرين أو سياسيين متهمين أو عليهم شبهة الفساد الاجتماعي أو السلوكي، لما قد يثيره ذلك من لَبْسٍ على المقاومة وأهلها.
الإعلام هو صدى الطلقة المقاومة الشريفة… فليكن مثيلها…


