“نزوى” !!!

نزوى !!!
يعرض النص رحلة إلى نزوى بوصفها نموذجًا للتعايش الحي مع التاريخ، حيث يُدار التراث كجزء من الحاضر، ويقارن ذلك بتجربة العراق، مؤكدًا أن حماية الهوية تحتاج إلى وعي واستقرار لا إلى شعارات....

اتصالٌ هاتفيٌّ قصير كان كافيًا ليُعيد ترتيب اليوم كلّه، “نحن جاهزون وبانتظارك”..، كان الجسد ما يزال مثقَلًا بالنعاس، فالوقت مبكر، وقبل قليل فقط تنفّس الصبح، بعد ليلةٍ جميلة قضينا أكثر من نصفها في مطرح.

من قلب العاصمة بدأت الحركة، كانت السماء مغطّاة بغيومٍ بيضٍ خفيفة، وأشعة الشمس تحاول بصعوبة الإفلات منها، مانحةً المكان برودةً منعشة نادرة في هذا الجزء من العالم، وفي هذا الشهر من السنة، حيث الصقيع والبرد يضربان أغلب مدن الكون.

مع ساعات الصباح الأولى، تحرّكت السيارة باتجاه الجنوب الغربي، سالكين طريقًا سريعًا أنيقًا، يمتد بثقة بين الجبال.

كانت الجبال ذات الارتفاعات المنخفضة تحفّ جانبي ذلك الشارع العريض الطويل؛ جبال لا تفرض سطوتها، بل ترافقك بهدوء،  وبين الفينة والأخرى، كانت تظهر نخلات ذات أكمام، في حضورٍ لافت، فالنخلة، بغنجها وشموخها، لا تظهر عادةً إلى جوار الجبل، لأن كليهما شامخان بطبيعتهما، وكأن المكان قرّر أن يجمع الرمزين معًا في مشهدٍ نادر، يعانقهما البحر من الجانب الآخر، مدنٌ وقرى صغيرة، ببناءٍ أفقيٍّ أبيض، ما تزال تغفو باطمئنان بين أحضان تلك الجبال، بلا ضجيج ولا تعالٍ عمراني.

ومع الاقتراب، يتبدّل الإحساس.

هنا، التاريخ ليس أثرا  معروضا، بل حياة يومية، القلعة لا تقف للزينة، والسوق ليس استعراضا للسائحين فقط، بل امتداد لعلاقة قديمة بين الإنسان والمكان، إنّها  “نزوى”، التي تبدو وكأنها قرّرت أن تصون تراثها من دون أن تجمّده: حداثة محسوبة، وترميم يحترم الروح، وتنظيم لا يطغى على الذاكرة.

كان دليلنا السياحي، الذي يتحدّث العربية الفصحى بأسلوبٍ مشوّق يغطّي على أخطائه النحوية الكثيرة، يستعرض لنا تاريخ الأمكنة ومثاباتها.

“هذا الجامع عمره ألف عام، وتلك البيوت سبق وجودها الإسلام، وهذه أشجار الموز والمانجو ما زالت تُعطي ثمارها بسخاء رغم بلوغها عُمرا  عتيّا، وأشجار التين، و(دُمّ التنّور) الذي يُسجَر في الأعياد ليأكلوا من أتون ناره لحمًا لذيذًا طريًّا بعد أن يُغطّى بأوراق الموز العريضة…”.

هنا سوق للسمك، يقابله سوق لبيع المواشي، وبمحاذاته سوق لبيع الخضر والفواكه بالجملة، ورابع لبيع الخناجر المعقوفة والسيوف وأسلحة الصيد، وخامس لبيع الحلوى.

وعبر “صباحات” متعدّدة، يدخل الناس إلى تلك الأسواق، لغايات يقضونها بين الغوص في أعماق الوجود ومتعة التسوّق، في أجواء مفعمة برائحة التاريخ والتراث، ولم ينسَ مرشدنا الإشارة إلى نخلاتهم التي قال عنها إنّها ما تزال تُساقط علينا رُطبًا جنيًّا.

في تلك اللحظات، شرد الذهن بعيدا ، ليحطّ رحاله هناك، في أرض بلاد النهرين، في محاولة لعقد مقارنة، وإن كانت غير متكافئة، فالعراق، بثقله الحضاري الممتد من سومر وبابل إلى بغداد ونينوى، والبصرة وسامراء وذي قار وميسان والنجف وكربلاء، يمتلك تاريخا وتراثا لا يداينه غيره عمقا ولا ثراء،  مدنه التاريخية تحمل ذاكرة الإنسانية ذاتها.

غير أنّ الفارق يكمن في العلاقة مع هذا التراث، ففي “نزوى” يبدو الماضي مُدارًا بعناية، محميّا بقوانين واضحة ورؤية ثقافية تجعل التاريخ جزءا من الحاضر، أمّا في العراق، فكثيرا ما ظلّ التراث رهينة الإهمال، أو الصراعات، أو الاستخدام الرمزي المؤقّت.

والمقارنة هنا ليست للانتقاص، بل للتأمّل، فالعراق لم يفتقر يومًا إلى التاريخ، لكنه افتقر طويلا إلى الاستقرار الذي يسمح بتحويله إلى قوّة ناعمة فاعلة.

“نزوى” تقدّم درسًا هادئًا: أن حماية التراث لا تحتاج إلى بهرجة، بل إلى وعي مستمرّ بأن الهوية ليست شعارا، بل ممارسة يومية.

رحلة “نزوى” ليست انتقالا جغرافيًا فحسب، بل رحلة في كيفية التعايش مع التاريخ، وتذكير مؤلم وجميل في آن واحد، بأن العراق، متى ما استعاد هدوءه، سيكون قادرا على أن يُعيد مدنه العتيقة إلى الحياة، لا كذكرى، بل كحاضر يليق بماضيه.

ملحوظة:

“نزوى”ولاية عُمانية تابعة لمحافظة الداخلية، تقع على مسافة 140 كيلومترًا جنوب غرب العاصمة مسقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *