أزمة تأخر الرواتب في العراق: من خلل مالي إلى تهديد ستراتيجي للأمن الاقتصادي الوطني

أزمة تأخر الرواتب في العراق من خلل مالي إلى تهديد ستراتيجي للأمن الاقتصادي الوطني
تأخير الرواتب في العراق يعكس خللاً بنيوياً في نموذج الدولة الريعي وفقدان السيادة النقدية وضعف الحوكمة، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد الوطني، ويستدعي إعادة بناء النموذج المالي والنقدي والعلاقة بين الدولة والمواطن....

تشير هذه المقالة إلى أن أزمة تأخر صرف الرواتب والمستحقات المالية في العراق تجاوزت كونها أزمة سيولة أو إدارة مالية شهرية، لتتحول إلى مؤشر ستراتيجي على خلل بنيوي عميق في نموذج الدولة الاقتصادية والمالية. الأزمة تعكس تراكب عوامل هيكلية تشمل نموذج اقتصادي ريعي هش، وفقدان السيادة النقدية الفعلية، وفشل السياسة النقدية، وغياب الرؤية المالية الحكومية، وتبعية مالية خارجية، وضعف الحوكمة، وفساد بنيوي، وإدارة سياسية للاقتصاد. وتؤكد المقالة أن استمرار هذا النموذج سيقود إلى تآكل الثقة بالدولة، وتفكك العقد الاجتماعي، وهشاشة الاستقرار السياسي، وتهديد الأمن الاقتصادي الوطني، وانتقال الدولة من “دولة ريعية” إلى “دولة مالية هشّة وظيفيًا”.

التشخيص الاستراتيجي للأزمة يبدأ من طبيعتها: الأزمة ليست نقص أموال، بل فشل منظومة إدارة المال العام. العراق يمتلك موارد مالية كبيرة، لكنه يفتقد التخطيط المالي، والإدارة الاستراتيجية للموارد، وأدوات امتصاص الصدمات، ومنظومة استقرار مالي، وسيادة نقدية فعلية. الرواتب تُموَّل من تدفقات نفطية شهرية غير مستقرة، وليس من احتياطيات سيادية أو صناديق استقرار، ما يجعلها مرتبطة بتقلبات السوق، لا بضمانات الدولة. ويظهر الخلل البنيوي في كون الدولة استهلاكية لا إنتاجية، مع إنفاق تشغيلي تضخمي، وتوسع وظيفي غير منتج، وغياب اقتصاد حقيقي، واعتماد شبه كامل على الخارج.

التحليل الستراتيجي العميق يكشف البعد السيادي للأزمة؛ فالعراق لا يمتلك سيادة نقدية كاملة بسبب ارتباط العملة بالدولار النفطي، وخضوع الاحتياطيات للنظام المالي الدولي، وتبعية التحويلات لنظام الامتثال العالمي، وضعف أدوات التحكم بالعملة الأجنبية. النتيجة هي دولة تملك مواردها نظريًا لكنها لا تتحكم بها فعليًا. ويتداخل ذلك مع البعد الأمني الاقتصادي، إذ إن الراتب في الدولة الريعية ليس دخلًا فقط، بل أداة استقرار سياسي وعنصر أمن اجتماعي وصمام أمان مجتمعي، وتأخر الرواتب يؤدي إلى هشاشة الاستقرار، وتصاعد الاحتقان، وضعف الثقة بالدولة، وتآكل الشرعية، وتفكك العلاقة بين المواطن والدولة.

أما البعد المؤسسي فيظهر أن القرار الاقتصادي في العراق سياسي لا علمي، وردّ فعلي لا استراتيجي، وإعلامي لا مؤسسي، وترقيعي لا إصلاحي، مع غياب وحدات إدارة مخاطر، ومراكز دراسات اقتصادية وطنية، ونماذج تنبؤ مالي، وتخطيط طويل الأمد. ويقود ذلك إلى سلسلة من المخاطر الاستراتيجية: على المدى القصير اضطراب الأسواق، وضعف السيولة، وركود تجاري، وتذبذب الأسعار، وتراجع الثقة المصرفية؛ وعلى المدى المتوسط انهيار الطبقة الوسطى، وتوسع اقتصاد الظل، وتصاعد الفقر، وزيادة البطالة، وهشاشة الاستقرار المجتمعي؛ وعلى المدى الطويل تفكك العقد الاجتماعي، وفقدان الشرعية الاقتصادية، وعدم استقرار سياسي بنيوي، وهشاشة الدولة وظيفيًا، وتهديد الأمن الوطني الاقتصادي.

الإطار التنفيذي للإصلاح (Strategic Policy Framework) يوضح أن المعالجة تتطلب مسارات مترابطة تبدأ بالسيادة النقدية عبر بناء أدوات تحكم سيادي بالعملة الأجنبية، وتنويع الاحتياطيات، وتقليل التبعية للدولار، وبناء منظومة مدفوعات وطنية مستقلة، وتعزيز الاستقلال النقدي الحقيقي. ويوازي ذلك تحقيق الاستقرار المالي من خلال إنشاء صندوق استقرار مالي، وإنشاء صندوق سيادي للأجيال، وإدارة دورات الاقتصاد، وبناء احتياطيات استراتيجية، وضبط الإنفاق التشغيلي. كما يتطلب الأمر إصلاح الحوكمة والرقابة عبر تفكيك شبكات الفساد، وتفعيل الرقابة المالية، واستقلال مؤسسات الرقابة، وحماية منظومات الامتثال، وإصلاح منظومة مكافحة غسل الأموال. ويتكامل ذلك مع التحول الاقتصادي عبر تنويع الاقتصاد، ودعم الإنتاج المحلي، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل التوظيف الريعي، وبناء اقتصاد إنتاجي، إضافة إلى الإصلاح المؤسسي عبر إنشاء مراكز تفكير اقتصادي، ووحدات إدارة أزمات، ونماذج تنبؤ مالي، وتخطيط استراتيجي، وإدارة مخاطر وطنية.

الأزمة الحالية ليست أزمة رواتب، ولا أزمة سيولة، ولا أزمة إدارة شهرية، بل هي أزمة نموذج دولة، وأزمة سيادة نقدية، وأزمة حوكمة، وأزمة قرار، وأزمة رؤية، وأزمة بنية مالية. الدولة العراقية لا تعاني من نقص المال، بل من اخفاق إدارة المال، ولا تعاني من غياب الموارد، بل من غياب الدولة الاقتصادية، ولا تواجه أزمة رواتب، بل أزمة نموذج حكم مالي كامل.

التوصية الاستراتيجية العليا تؤكد أن المطلوب ليس حلولًا مالية، بل إعادة بناء النموذج الاقتصادي، وإعادة تعريف دور الدولة، وإعادة بناء السيادة النقدية، وإعادة هندسة النظام المالي، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن. عندما يتأخر الراتب… تتعرّى الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *