ماذا يقول الكتاب فعليًا؟ الكتاب الصادر عن الهيئة العامة للكمارك – وزارة المالية لا يتضمن فرض تعرفة كمركية ولا تخفيض تعرفة كمركية ولا تعديل قانون ولا تشريع اقتصادي ولا سياسة تجارية وطنية ولا قرار سيادي، بل يتضمن فقط تخفيض متوسط القيم الاستيرادية بنسبة (25%) ضمن نظام الأسيكودا (ASYCUDA)، أي تعديل وعاء الاحتساب الكمركي مع لا تعديل نسبة الرسم ولا تعديل قانون التعرفة ولا تغيير تشريعي. الإجراء إداري–تقني داخلي، لا تشريعي، لا سيادي، لا قانوني.
التفكيك القانوني يوضح أن التعرفة الكمركية تُفرض بقانون وتُعدَّل بقانون وتُخفَّض بقانون وتُلغى بقانون، ولا يمكن فرضها بكتاب ولا تعديلها بإجراء إداري ولا تغييرها بنظام إلكتروني. لذلك: كل خطاب “فرض وتخفيض التعرفة” هو تضليل قانوني للرأي العام.
أما التفكيك الاقتصادي فيبدأ بالأثر على الإيرادات العامة، إذ إن تخفيض القيم الاستيرادية يؤدي إلى تقليل وعاء التحصيل وانخفاض الإيرادات الكمركية وتراجع الموارد غير النفطية وتعميق العجز المالي وزيادة الاعتماد على النفط، ما يعني خسارة مالية بلا سياسة تعويض ونزيف إيرادي بلا رؤية اقتصادية. وينعكس ذلك على السوق والحركة التجارية، فظاهريًا هناك تسهيل التخليص وتقليل المنازعات التقديرية وتخفيف الاحتكاك الإداري، لكن واقعيًا تظهر فوضى تسعيرية وغياب استقرار وفقدان ثقة واضطراب السوق وبيئة طاردة للاستثمار. السوق لا يُدار بالإجراءات بل بالسياسات.
الأثر على التاجر يتجلى اقتصاديًا في عدم استقرار الكلفة وتذبذب الأرباح وفقدان التخطيط طويل الأمد، وقانونيًا في غياب اليقين وتغيّر القواعد بلا تشريع، وسلوكيًا في هروب من الاستثمار وصعود التجارة السريعة وتراجع المشاريع الإنتاجية. أما الأثر على المواطن، فالخطاب الرسمي يقول “التخفيض يخفض الأسعار”، لكن الواقع أن السعر يتحدد بـ الاحتكار والعرض والطلب وسعر الصرف والنقل والتخزين والمضاربة وضعف الرقابة وغياب المنافسة. لا انخفاض حقيقي، لا استقرار سعري، لا تحسن معيشي، فقط فوضى تنظيمية.
جوهر الأزمة أن المشكلة ليست تعرفة ولا أسيكودا ولا تقييم ولا نظام، بل المشكلة في غياب الدولة الاقتصادية المؤسسية وغياب السياسة التجارية الوطنية وغياب التخطيط الاقتصادي وغياب الرؤية الاستراتيجية وهيمنة القرار الارتجالي. ويتجسد ذلك في نموذج التخبط العراقي: مرة فرض وتخفيض وتعديل وتجميد وتأجيل وتوصية ولجنة واجتماع وكتاب، بلا رؤية، بلا استراتيجية، بلا سياسة عامة، بلا مسار واضح. إنها إدارة أزمات لا إدارة دولة، وردود أفعال لا سياسات، وإجراءات لا إصلاح.
في إطار التضليل الإعلامي، ما يُسوَّق هو “قرارات سيادية” و“إصلاح اقتصادي” و“حماية المواطن” و“سياسة دولة” و“معالجة الغلاء”، بينما الحقيقة لا قانون ولا تشريع ولا سياسة ولا رؤية ولا استراتيجية، فقط إجراء إداري تقني. تضليل للرأي العام، تسويق وهمي للإصلاح، تجهيل اقتصادي.
إذا استمر هذا النهج فإن الدولة ستواجه تآكل الإيرادات وهشاشة المالية العامة وفشل التنويع الاقتصادي، والسوق سيشهد هروب الاستثمار وتوسع اقتصاد الظل ونمو التهريب، والمواطن سيعاني ضعف القوة الشرائية وغلاء معيشة وفقدان الثقة بالدولة. لم تُفرض تعرفة، لم تُخفَّض تعرفة، لم يُعدَّل قانون، لم تُبنَ سياسة، لم تُعالج أزمة. الذي جرى إجراء إداري داخل نظام إلكتروني بلا غطاء تشريعي وبلا رؤية اقتصادية وبلا سياسة تجارية وبلا أثر حقيقي للمواطن.
الرسالة للرأي العام واضحة: الدول تُدار بالقوانين والسياسات، ونحن نُدار بالكتب والإجراءات. الدول تُصلح بالاستراتيجيات، ونحن نُدار بردود الأفعال. الدول تبني اقتصادًا، ونحن ندوّر الأزمات. ما يجري ليس إصلاحًا اقتصاديًا ولا سياسة دولة ولا حماية مواطن، بل إدارة فوضى بصيغة قرارات، وتدوير الاخفاق بصيغة كتب، وتسويق وهم بصيغة إصلاح.


