في مقالات سابقة.. تحدثت عن حقائق الحرب الأمريكية على العراق بسبب سياسات النظام السابق التي لم تجيد فنون الكيد السياسي كما اجاده بائع السجاد الإيراني.. فتحول العراق بعد احتلاله من منطق (الحدود الشرقية) إلى خطوط الصدع لتحولات إقليمية ودولية بعناوين الحرب الهجينة التي افرزت عراقيا نظام مفاسد المحاصصة وامراء عوائل الاقطاع السياسي الجديد!!
اليوم.. ليس من متغير جديد في تطبيقات (الاحتواء المزودج) غير تسارع وتيرة احتواء تصاعد القدرات النووية الإيرانية ومنها القدرات الصاروخية.. التي جعلت حدة الصراع تصل لما سبق وان وصلت اليه مع النظام العراقي السابق. مع اختلاف واحد ان قيمة احتلال العراق تختلف اليوم مع تداعيات الصدع الاستراتيجي في تغيير النظام الإيراني.. كما أن ما يعرف بقوى المعارضة الإيرانية التي تصفق لانفجارات الصواريخ فوق المدن الإيرانية غير تلك القوى التي صفقت لمقولة مادلين اولبرايت ان موت نصف مليون طفل عراقي ثمنا مقبولا لبقاء النظام السابق.
معضلة المصالح العراقية متعددة مع هذا الصدع الاستراتيجي الجديد.. في المساعي الصهيونية أمريكية وإسرائيلية لتغيير نظام ولاية الفقيه.. ليس بسبب الجوار الجغرافي او العلاقات العقائدية بين الفصائل الحزبية المسلحة ومنظومة الحرس الثوري وفيلق القدس.. بل الأكثر من ذلك أن العراق بات الحاجز الاخير لحماية النظام الإيراني كليا.. وهذا ما يفهمه الكثير والكثير جدا من القيادات العراقية.. ويتعاملون َمع متغيرات السياسات الأمريكية المتجددة وفق هذه المعايير في نماذج متغيرة من التقية السياسية.. التي سبق وان لم تفهم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وربما ما زالت عصية على الفهم والتركيز في تحليلات بيوت التفكير الأمريكية.. ان من يصد الحذاء عن الرئيس الأمريكي.. هو ذاته من يتعامل استراتيجيا مع أولوية مغادرة جنوده العراق.. لان فرضيات استيعاب الاتفاقات ماقبل دخول الدبابات الأمريكية للعراق تختلف مع حيثيات البقاء ما بعد امتداد النفوذ الإيراني .. ومع وصول الرئيس اوباما وسياساته في الشرق الأوسط.. قدم العراق على طبق من ذهب لإيران.. فقط الحسابات الإسرائيلية هي من توقف عند اذكاء الروح العدائية ما بين واشنطن وطهران.. فيما وقع العراق في فخ ذات الصدع الاستراتيجي!!
اليوم تظهر مقالات وتحليلات في برامج التوك شو.. تربط بين متغيرات الأحداث.. فيما لم تطرح اي منها تلك الحقائق المطلوبة.. اين سيكون العراق في وقائع الأحداث؟؟
هناك ثلاث اتجاهات محددة.. الأول يروج لما عرف بسياسة العراق أولا.. وهذا يتوجب طي صفحات الكتاب القديم للنفوذ الإيراني طيلة عقدين مضت.. ويبدو أقرب إلى المستحيل في تطبيقات الدولة العميقة والدولة الموازية في نماذج الفصائل الحزبية المسلحة وهم يتباهون اليوم باغلبية برلمانية..
الاتجاه الثاني.. يتعامل مع منهج واضح في الولاء والبراء المطلق لولاية الفقيه وفق نموذج عقائدي معروف.. يتجاوز حدود العراق السيادية.. ويعمل على توظيف كل موارد العراق في تلك المعركة المصيرية بين واشنطن وطهران على الأرض العراقية…
والاتجاه الثالث.. يتعامل مع منهج واضح في ان لا عراق سيادي بعد اليوم.. وان نتائج اتفاقية سايكس بيكو لابد وان تنتهي وينتهي معه العراق في خارطته الجغرافية .. وإعادة تشكيل المنطقة لاستقلال كوردستان وظهور دولتها القومية.. ويمثل الابقاء على نموذج الفصائل الحزبية المسلحة تحت عنوان البيشمركة عنوانا لها.
واكب هذه الاتجاهات الثلاث تراكم الكثير من اثام مفاسد المحاصصة.. التي فككت الكثير من الاواصر المجتمعية والاقتصادية لقوة الدولة في مواجهة متغيرات اقليمية ودولية.. فانتهت الى الطوفان على صخب المواقف وما زيادة اسعار الدولار والذهب هذه الأيام في الأسواق العراقية في الا نموذجا واضحا لكل ذلك.
هكذا تحول العراق كليا.. من حالة دولة تشاغل إسرائيل وتخصع لسياسات الاحتواء المزدوج إلى مجرد نموذج هجين للفصائل الحزبية المسلحة.. وفق الاتجاهات الثلاث أعلاه.. كل منها يفتك بمواردها لحسابات اجنداته ولم يظهر حتى اليوم اي حزب عراقي يتعامل مع بوصلة عراق واحد وطن الجميع.
في حسابات التعامل الدولي.. فإن متغيرات الغاء الدول كما حصل في السودان او دول ما بعد سقوط جدار برلين.. لاسيما التجربة اليوغسلافية.. فشلت اغلب تلك القوى العراقية الباحثة عن (الحضن العربي) بل وقع البعض في براثن الإرهاب الداعشي!!
ومع المتغير السوري.. وما يحصل اليوم من قتال بين اتفاقات لا تحترم وميول نحو استقال الأكراد.. جعلت الفرص واضحة لاتجاه اغتنام المتغيرات.. يجعل العراق على حافة هاوية محلية واقلبمبة ودولية.. تنذر بالكثير من العواقب.. التي تجعل بقاء العراق بواقعه الحالي مرتبطا مع بقاء نموذج ولاية الفقيه..
بما يعزز الاتجاه الإيجابي للاندماج اكثر واكثر تحت حماية ولاية الفقيه كرد فعل عقائدي على كلما يمكن وصفه بمخاطر هذا الصدع الذي يهدد وجوده كليا.
اما نموذج العراق أولا.. يتوجب توفير فرضيات الفرص لاستيعاب قدرات حقيقية لتطبيقه.. وهي حالة غير واقعية ولا تتوفر لها ابسط الاشتراطات.. لعل أبرزها نماذج الدول العميقة والموازية التي جعلت من كل الفصائل الحزبية المسلحة من شمال العراق حتى جنوبه.. تتعامل مع هذا النموذج الهجين لإدارة السلطة للجهاز الحكومي.. بدلا من إدارة دولة بمعايير حوكمة حقيقية معروفة في قياس قدرات الدول!!
وفق كلما تقدم.. لايبدو ان اي من السياسات الأمريكية او الإيرانية.. قادرة على حسم الصراع.. بل تواصل تطبيق سياسات حافة الهاوية.. وكل ذلك يجبى من موارد أجيالنا المقبلة.. لان كل من يمسك بدفة السلطة اليوم لا يبحث الا عن استرجاع أموال الدعاية الانتخابية من ريع مفاسد المحاصصة وتعظيم الارباح وفق حسابات اللحظة المربحة وليس الاستراتيجية الوطنية التي تؤمن المستقبل. بل ان ما يمكن أن يواجهه العراق الأصعب في تأمين رواتب الموظفين.. وسط موجات متصاعدة من التقشف.. كيف إذا هبطت اسعار النفط؟؟
عندها تبرز كل علامات خطوط الصدع المتراكبة منذ ٢٠٠٣ حتى اليوم… ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!!


