المصير الواحد والتلاحم العربي–الكردي: شراكة الدم والدولة في مواجهة مشاريع التفكيك

المصير الواحد والتلاحم العربي–الكردي شراكة الدم والدولة في مواجهة مشاريع التفكيك
يتناول النص أهمية التحالف الاستراتيجي بين العرب والأكراد في العراق، مؤكدًا أن التعاون المشترك أساس لتحقيق الاستقرار الوطني وتجاوز الفتن الطائفية، ويحث على بناء هوية عراقية جامعة ترتكز على العدالة والمواطنة...

تشكل القضية الكردية، بما تحمله من عمق تاريخي ونضالي، أحد المفاتيح المركزية لفهم توازنات المنطقة وإشكالاتها البنيوية، ولا يمكن مقاربتها بوصفها ملفاً ثانوياً أو هامشياً في معادلة الأمن الإقليمي والدولة الوطنية. فالأكراد ليسوا مكوّناً طارئاً في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل هم شعب أصيل متجذر في التاريخ، قدّم عبر عقود طويلة تضحيات جسام في مواجهة مشاريع الإقصاء، والإنكار، والعنف المنظم، ووقف في الصفوف الأولى دفاعاً عن الأرض والإنسان والهوية.

لقد أثبتت التجربة، ولا سيما في الساحة السورية، أن الدور الكردي شكّل حاجزاً أمنياً واستراتيجياً صلباً في مواجهة قوى التكفير الظلامي، تلك القوى التي استُخدمت بوصفها أدوات وظيفية ضمن صراعات دولية وإقليمية، وحظيت في مراحل متعددة بدعم مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل، ضمن سياسات إدارة الفوضى وإعادة تشكيل الخرائط السياسية والاجتماعية للمنطقة. في هذا السياق، لم يكن الموقف الكردي موقف ردّ فعل آني، بل تعبيراً عن وعي سياسي وأمني متقدم، يدرك أن معركة التكفير ليست معركة مكوّن بعينه، بل معركة وجود تهدد الجميع بلا استثناء.

ويمتاز العقل الكردي السياسي، في عمومه، بقدرته على التفاوض والانفتاح، وباستعداده لبناء الشراكات الواقعية القائمة على المصالح المتبادلة، لا على الإلغاء أو الهيمنة. هذا العقل، بما يحمله من براغماتية إيجابية، يمثل ضمانة للاستقرار أكثر بكثير من العقل الرجعي الظلامي التكفيري، الذي لا يؤمن بالدولة، ولا بالمواطنة، ولا بالتعدد، ولا يرى في الآخر إلا عدواً يجب استئصاله. ومن هنا، فإن الرهان على القوى العقلانية المنفتحة، وفي مقدمتها القوى الكردية، هو رهان على الدولة والنظام والاستقرار، لا على الفوضى والانهيار.

إن المظلومية التاريخية التي تعرض لها الشيعة والأكراد، عبر قرون من التهميش والإقصاء والمجازر المنظمة، تشكل أرضية أخلاقية وسياسية مشتركة تستدعي التلاحم، لا التنافر. فدماء الشهداء التي سالت في الجبال والسهول، وفي المدن والقرى، لم تكن دماءً معزولة، بل كانت تعبيراً عن معركة واحدة ضد الاستبداد، وضد مشاريع الإلغاء، وضد توظيف الدين والقومية سلاحاً للقتل والتمزيق. من هنا، فإن الخروج بتلاحم استراتيجي موثق، يستند إلى شرف الكلمة ودماء الشهداء، لم يعد خياراً سياسياً تكتيكياً، بل ضرورة تاريخية وأخلاقية.

وفي العراق على وجه الخصوص، تتجسد معادلة المصير الواحد بين العرب والأكراد بصورة أكثر وضوحاً وعمقاً. فالعراق لا يمكن أن يكون مستقراً، ولا سيداً، ولا آمناً، من دون شراكة حقيقية بين مكوّناته الأساسية، تقوم على الاعتراف المتبادل، والعدالة الدستورية، وتقاسم المسؤولية لا تقاسم الغنيمة. إن وحدة المصير لا تعني إلغاء الخصوصيات، بل تعني إدارتها ضمن إطار الدولة الجامعة، دولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتوازن بين المركز والإقليم.

إن التلاحم العربي–الكردي في العراق ليس تحالف لحظة، ولا صفقة سياسية عابرة، بل هو خيار استراتيجي طويل الأمد، يُفترض أن يُبنى على منظومة قيم عليا، في مقدمتها: رفض التكفير، وتجريم الإقصاء، واحترام التعددية، وحماية السلم الأهلي، وتحريم الدم العراقي بكل انتماءاته. وهو تلاحم يجب أن يُترجم إلى سياسات عامة، وتشريعات عادلة، وخطاب وطني مسؤول، يقطع الطريق على مشاريع التفتيت، ويُسقط رهانات الخارج على الصراع الداخلي.

خاتمة:

ختاماً، فإن الأكراد والعرب في العراق والمنطقة عموماً، أمام لحظة تاريخية فارقة: إما أن ينتصروا لمنطق الشراكة والمصير المشترك، وإما أن يتركوا فراغهم لتملأه قوى الظلام والتكفير والهيمنة الخارجية. والتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يرحم المترددين، ولا يكافئ من يفرّط بوحدته حين تكون الوحدة شرط البقاء.

وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أن أي محاولة للفصل بين المسارين العربي والكردي، أو تصوير العلاقة بينهما بوصفها علاقة صراع صفري، إنما تصبّ موضوعياً في مصلحة القوى المعادية لفكرة الدولة الوطنية، وتخدم مشاريع التفكيك الناعمة والخشنة على حد سواء. فالتجارب المريرة التي عاشها العراق والمنطقة أثبتت أن انهيار الثقة بين المكوّنات يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، ويحوّل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية مدمّرة، لا رابح فيها سوى قوى الهيمنة والتكفير.

إن التلاحم الاستراتيجي المطلوب اليوم بين الشيعة والأكراد، وبين العرب والأكراد عموماً، يجب أن يتجاوز حدود التنسيق الأمني أو التفاهمات الظرفية، لينتقل إلى مستوى العقد السياسي–الأخلاقي، القائم على الذاكرة المشتركة للاضطهاد، وعلى الوعي بأن حماية كل مكوّن لا تنفصل عن حماية الآخر. فهذا التلاحم، إذا ما أُحسن بناؤه، يمكن أن يشكّل ركيزة صلبة لإعادة تعريف الهوية الوطنية العراقية بوصفها هوية جامعة، لا تُختزل بقومية أو مذهب، بل تتأسس على المواطنة والعدالة والكرامة الإنسانية.

كما أن العقل السياسي العربي، حين يتحرر من إرث الشوفينية والإقصاء، يجد في الشراكة مع العقل الكردي فرصة لإنتاج نموذج حكم أكثر توازناً وعقلانية. نموذج يعترف بالتعدد بوصفه مصدر قوة لا تهديد، ويحوّل التنوع من عبء أمني إلى رافعة استقرار وتنمية. وفي المقابل، فإن انفتاح العقل الكردي على العمق العربي، بعيداً عن هواجس القطيعة والارتياب التاريخي، يعزز من فرص بناء دولة قوية قادرة على حماية الجميع، ويُسقط الذرائع التي تتغذى عليها النزعات المتطرفة من كل الأطراف.

وعليه، فإن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من خطاب المجاملات السياسية إلى مشروع واضح المعالم، يُعيد ترتيب الأولويات الوطنية، ويضع مواجهة التكفير، وصيانة السلم الأهلي، وبناء الدولة، فوق كل الحسابات الفئوية والانتخابية الضيقة. مشروع يُدار بعقل استراتيجي بارد، لكنه يستند إلى وجدان جمعي حيّ، لا ينسى الشهداء، ولا يساوم على الدم، ولا يسمح بتكرار المآسي تحت أي عنوان.

إن المصير الواحد للأكراد والعرب في العراق ليس شعاراً إنشائياً، بل حقيقة جيوسياسية وتاريخية وأمنية. فإما أن يكون العراق وطناً نهائياً لكل أبنائه، بشراكة عادلة ومتوازنة، وإما أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الوكالة، تُستنزف فيها الدماء والثروات بلا أفق. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق النخب السياسية والفكرية اليوم، هي مسؤولية ترقى إلى مستوى اللحظة: لحظة الاختيار بين دولة الشراكة، أو فوضى الانقسام، والتاريخ – مرة أخرى – لن يغفر لمن يضيّع فرصة الإنقاذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *