بين السياسي العراقي وسافيا… سقوط الهيبة وصعود الوهم

بين السياسي العراقي وسافيا… سقوط الهيبة وصعود الوهم
الأزمة الحقيقية في العراق تكمن في ضعف النظام السياسي الذي يعتمد على التملق والعلاقات غير الرسمية، حيث يتم استخدام المبعوث الأمريكي كأداة للضغط وليس كأداة لرصد الواقع، مما يعكس عدم الثقة بالإصلاح الداخلي....

في السياسة، لا تُقاس قوة الدول بعدد المبعوثين الذين يزورونها، بل بطريقة استقبالها لهم، وبالحدود التي ترسمها بينهم وبين سيادتها. وحين يتحول مبعوث شخصي غير رسمي إلى مرآة قلق، وموضع تملّق، وساحة إسقاط نفسي لبعض السياسيين العراقيين، فالمشكلة لا تكمن في المبعوث ذاته، بل في هشاشة البنية السياسية التي تقف أمامه.

مارك سافيا، وبحسب ما أعلنته الخارجية الأمريكية، لا يعمل ضمن الأطر الدبلوماسية التقليدية، ولا يمثل مؤسسة رسمية، بل يُنظر إليه بوصفه مبعوثًا شخصيًا للرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، ومكلّفًا بنقل صورة واضحة وصريحة عن الواقع العراقي، ولا سيما ما يتعلق بالأحزاب، سلوكها، توازناتها، وطريقة إدارتها للسلطة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يتعامل بعض السياسيين العراقيين مع ناقل صورة، لا صانع قرار، وكأنه مركز نفوذ يجب استرضاؤه؟

من حيث المبدأ، فإن مهمة أي مبعوث من هذا النوع هي الرصد لا التدخل، والملاحظة لا الوصاية. غير أن ما نشهده فعليًا هو سباق غير معلن لتلميع الصور، وإعادة ترتيب الأقنعة، وكتابة روايات انتقائية عن الواقع، لا بهدف الإصلاح، بل لتقديم نسخة معدّلة عمّا يجري في الداخل.

هنا لا يعود الخطر في ما قد ينقله سافيا، بل في ما يحاول بعض السياسيين إخفاءه عنه. فالدولة الواثقة من نفسها لا تخشى التقارير، أما الدولة التي تُدار بالصفقات، فتخاف من أي عين ترى بوضوح.

الخوف من الحقيقة لا من الشخص

الخوف من سافيا ليس خوفًا من نفوذ مباشر، ولا من قرار فوري، بل من الذاكرة السياسية التي قد يحملها معه. فالمبعوث غير الرسمي لا يُقيّد بلغة دبلوماسية ناعمة، ولا يخضع لحسابات مجاملة، بل ينقل الانطباع كما تشكّل، لا كما يُراد له أن يكون.

ولهذا، فإن السياسي الذي راكم الفشل، أو استند إلى المحاصصة بدل الكفاءة، أو بنى شرعيته على التوازنات لا الإنجازات، يرى في أي تقرير صريح تهديدًا مؤجلًا لمستقبله السياسي.

الأكثر خطورة من التملّق، هو محاولة استقواء طرف عراقي بالمبعوث على أطراف عراقية أخرى. هنا لا نتحدث عن دبلوماسية، بل عن عجز داخلي عن إدارة الخلاف ضمن البيت الواحد. فحين تنتقل الصراعات من المؤسسات إلى القنوات غير الرسمية، يصبح الخارج ساحة تحكيم، لا مجرد شاهد.

وهكذا، يتحول ناقل الصورة إلى مرآة مشروخة، تعكس صراعًا داخليًا لا يُحسم بالبرامج ولا بالاحتكام إلى الشعب، بل بتبادل الرسائل عبر وسطاء.

في هذا السياق، يطفو على السطح نموذج مألوف في التجربة العراقية الحديثة: مسؤول تنفيذي قُدّم بوصفه موظف توافق، لا رجل مرحلة. مدير سابق، أو موظف رفيع، أو منسّق بين قوى، وجد نفسه فجأة في موقع القرار الأعلى، محاطًا بأحزاب ترى فيه أداة إدارة لا صاحب مشروع.

المشكلة لا تكمن في الخلفية الإدارية بحد ذاتها، بل في استمرار العقلية الوظيفية داخل موقع يفترض أن يكون سياديًا. فحين تُدار الدولة بعقل مدير عام أكثر مما تُقاد بعقل رجل دولة، يصبح الخارج عامل توازن، لا الداخل، وتُفتح الأبواب أمام قنوات موازية لإعادة ضبط النفوذ.

وهنا، لا يكون الخلل في التواصل مع الخارج، بل في استخدام هذا التواصل لإعادة ترتيب الداخل.

منذ سنوات، يُرفع شعار “التكنوقراط” بوصفه الحل السحري، ويُردَّد شعار “المجرب لا يُجرب” كحكمة سياسية. لكن الواقع أثبت أن هذه العبارات تحولت إلى لغة مستهلكة، جرى تفريغها من معناها على يد نفس الطبقة السياسية.

فالوجوه ذاتها تُعاد، والمواقع تُبدّل، والأداء يبقى كما هو، بينما تُقصى الكفاءات المستقلة، ويُكافأ الولاء الحزبي على حساب الخبرة. وهكذا، لا يُنتج النظام إلا نسخًا معدّلة من الفشل ذاته.

الأحزاب التي عجزت المرجعية، والضغط الشعبي، والإعلام، عن تصحيح مسارها حين كانت ضعيفة، لم تُصلَح، بل تضخّمت بلا ضوابط. تحولت من كيانات تبحث عن شرعية، إلى قوى تبحث عن حصانة، ومن أدوات مشاركة إلى أدوات هيمنة.

لقد انتقلت من مرحلة “أسماك الزينة” في حوض السياسة، إلى “أسماك قرش” تفرض إيقاعها على الدولة، وتتعامل مع المؤسسات بوصفها غنائم لا أمانات.

اخيراً…

مارك سافيا ليس أزمة العراق، ولا مفتاح مستقبله. الأزمة الحقيقية تكمن في سياسي فقد ثقته بشعبه، فبحث عن شهادة من الخارج، وفي منظومة تخشى نقل الحقيقة لأنها لم تُحسن التعامل معها في الداخل.

بين السياسي العراقي وسافيا، تسقط الهيبة حين يغيب المشروع، ويصعد الوهم حين يُستبدل الإصلاح بالتملّق. فالدول لا تُبنى بما يُقال عنها في الخارج، بل بما تُنجزه في الداخل.

والعراق، إن أراد استعادة هيبته، لا يحتاج إلى من يشرح صورته، بل إلى من يغيّر هذه الصورة جذريًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *