لم تكن التهديدات الأمريكية بضرب إيران مجرد استعراض إعلامي

لم تكن التهديدات الأمريكية بضرب إيران مجرد استعراض إعلامي
النص يصف فشل محاولة الولايات المتحدة تنفيذ انقلاب داخلي في إيران عبر تحركات عسكرية، حيث تداخلت مصالح الصين ورفض الدول الإقليمية، مما أفشل المخطط وأدى إلى تفادي حرب وشيكة، مع استمرار الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران....

فقد تحركت الطائرات وجُهزت غرف العمليات، وكان التنفيذ وشيكاً قبل أن يُسحَب القرار فجأة بموجب أمر مباشر من الرئيس دونالد ترامب. ومع انحسار التهديد، هدأت الأسواق وانخفض سعر النفط، لكن السؤال الأهم لم يعد حول مدى جدية الضربة، بل حول سبب إيقافها.

ظهرت تفسيرات سطحية أمريكية تشير إلى ضغوط الحليفة أو عدم جاهزية، لكن الجوهر الحقيقي للقرار يكمن في الداخل الإيراني، وليس في عدم الاستعداد الإسرائيلي،

فبعد أن تلوثت الاحتجاجات الشعبية السلمية والعفوية الرافضة للوضع المعيشي السيئ وما تمر به إيران من أزمات اقتصادية خانقة، بأجندة خارجية تحول المشهد سريعاً إلى فوضى منظمة تستهدف البنية التحتية للمجتمع وخدماته الأساسية، ووحدته وإلى قتل وتدمير وإحراق هدفه.

تقويض الدولة من الداخل مما أثار حفيظة المجتمع الإيراني الباحث عن إصلاح وليس تدمير.

وما زاد الطين بلة هو ظهور ترامب مطلق رسالته المشهورة استمروا “المساعدة في الطريق”، مخاطبا مثيري الشغب في إيران والتي لم تكن تضامناً بل إعلاناً سياسياً يتوازى مع ظهور مشروع بديل ممثلاً في رضا بهلوي الثاني، ولي عهد الشاه السابق، الذي يعد بتطبيع العلاقات مع إسرائيل وإنهاء البرنامج النووي الإيراني.

هنا يستحضر التاريخ شبح انقلاب “أجاكس” عام 1953، الذي دبرته المخابرات الأمريكية والأجنبية وأطاح بالحكومة الوطنية الإيرانية. بدا أن السيناريو ذاته يتكرر: فوضى مُصمَّمة من الداخل، مع تقديم “منقذ” جاهز من الخارج، مدعوماً بضربة جوية تستهدف رأس النظام لفتح الباب أمام “الفوضى الخلاقة”.

لكن المفاجأة كانت في تدخل غير مرئي. فبينما كانت واشنطن تعد العدة، قطعت الصين – التي تربطها بمصالح استراتيجية واقتصادية حيوية مع إيران – بشكل مفاجئ منظومات الرصد والاستخبارات الفضائية الأمريكية، مما تسبب في “عمى استخباراتي” كامل. وتعطلت حتى خدمة “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك. أدى هذا التدخل التكنولوجي الحاسم إلى كشف وكسر الشبكات الداخلية العاملة لصالح المخطط الانقلابي واعتقال عناصرها، مما أفشل العملية من أساسها.

بعد انهيار سيناريو الانقلاب، حاول ترامب اللجوء إلى خطة بديلة هي ضربة عسكرية محدودة، لكنه اصطدم برفض جغرافي سياسي حاسم. فقد رفضت السعودية ودول الخليج فتح أجوائها للطائرات الأمريكية، مدركة أن أي ضربة قد تشعل حرباً إقليمية مدمرة، كما أن عودة نظام شبيه بحكم الشاه تثير ذكريات مروعة عن الهيمنة الإيرانية السابقة والنزعات التوسعية.

الأهم من ذلك، أن رد الفعل الشعبي الإيراني انقلب لصالح النظام. فبعد أن رأى المواطنون طبيعة “الفوضى المصممة” ووعود “المنقذ” الخارجي المرتبط بماضي “السافاك” الدموي، خرجوا لحماية مؤسسات الدولة والتجمع في جنازات رجال الأمن القتلى. إنها ذاكرة سياسية جماعية تستحضر دروس الدمار في سوريا  وليبيا والعراق.

وهكذا، تجنب العالم حرباً وشيكة بسبب مزيج من الذكاء التكنولوجي الصيني، والرفض الجيوسياسي الإقليمي، والذاكرة التاريخية اليقظة للشعب الإيراني. أما ترامب، فقد انتقم بواسطة سلاح اقتصادي، مفروضاً رسوماً جمركية على من يتعامل مع إيران، مستهدفاً الصين تحديداً. لقد نجت إيران من فخ “أجاكس الجديدة”، لكن المعركة لم تنتهِ؛ فالقرصان الذي تعثر عند أعتاب طهران يغير فقط قفازاته، وينتظر فرصته القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *