ترحيل الأزمات باسم تنظيم الإيرادات: قراءة لقرارات المجلس الوزاري للاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال

ترحيل الأزمات باسم تنظيم الإيرادات قراءة لقرارات المجلس الوزاري للاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال
تعكس القرارات نهجاً محاسبياً ضيقاً ينقل كلفة الإخفاق المالي إلى المواطن والموظف والقطاع الإنتاجي، دون إصلاح نقدي أو مكافحة فساد أو مساءلة للسلطة، ما يحوّل ضبط النفقات إلى أداة ترحيل للأزمة وتعميق للاختلالات الاقتصادية....

صدرت توصيات وقرارات المجلس الوزاري للاقتصاد بتاريخ 13/1/2026 تحت عنوان “تنظيم الإيرادات وضبط النفقات”، وفي سياق عمل حكومة تصريف أعمال يُفترض بها دستورياً وإدارياً الاكتفاء بإدارة الشؤون اليومية وتجنب القرارات ذات الأثر الاقتصادي والمالي العميق والممتد.

غير أن قراءة هذه القرارات، شكلاً ومضموناً، تكشف أنها لا تمثل إصلاحاً مالياً أو اقتصادياً حقيقياً، بل تعكس إدارة أزمة مؤجلة، تعتمد على نقل كلفة الإخفاق من الدولة ومؤسساتها إلى المواطن البسيط، والموظف، والقطاع الإنتاجي، دون أي مساس بمراكز القرار أو معالجة جذرية لاختلالات السياسة النقدية والمالية.

فلسفة القرارات – ضبط شكلي بلا إصلاح هيكلي

تنطلق قرارات المجلس من فرضية مبسطة ومضللة مفادها أن سبب العجز والاختلال يكمن في الأجور والرواتب، التعاقدات والأجور اليومية، التوظيف، الإنفاق التشغيلي

بينما تتجاهل كلياً الأسباب الحقيقية للأزمة، والمتمثلة في: غياب سياسة نقدية مستقلة وفعالة، الفشل في إدارة نافذة بيع العملة، ضعف الإيرادات غير النفطية، الفساد البنيوي في المنافذ والجباية، تضخم الجهاز الحكومي دون إنتاجية وبذلك تحوّلت الرقابة المالية من أداة إصلاح إلى أداة عقابية، لا تطال الخطأ بل الحلقة الأضعف.

تحميل المواطن كلفة إخفاق الدولة

وقف التعاقدات والأجور اليومية

قرار منع التعاقد والتشغيل بالأجر اليومي في الشركات والمؤسسات العامة لا يعالج الهدر، بل يؤدي عملياً إلى: توسيع دائرة البطالة، تقليص الطلب المحلي، و ضرب الفئات الهشة التي تعتمد على الدخل غير الثابت وهو إجراء انكماشي في اقتصاد يعاني أصلاً من ركود وضعف السيولة.

ربط تمويل الرواتب بإجراءات رقابية معقدة

إخضاع رواتب الموظفين لسلسلة طويلة من التدقيق والمطابقة، وربط صرفها بتقارير لاحقة، يهدد: الاستقرار المعيشي، انتظام السوق، والثقة بين المواطن والدولة.

ليتحول الراتب من حق مكتسب إلى وسيلة ضغط، بينما لم نلحظ أي إجراءات موازية تطال رواتب الدرجات الخاصة، الامتيازات العليا، والإنفاق السياسي غير المنتج.

استنزاف الشركات العامة بدل إصلاحها

فرض تحويل 80% من فوائض التمويل الذاتي للشركات العامة إلى الخزينة العامة يحرم هذه الشركات من إعادة الاستثمار، يمنع التحديث والتطوير، ويكرّس تبعيتها المالية.

وبذلك تُفرغ فكرة “الشركة الرابحة” من مضمونها، وتتحول الشركات العامة إلى هياكل إدارية عاجزة، تُستنزف بدل أن تُصلح.

غياب السياسة النقدية المرافقة

جميع هذه القرارات اتُّخذت دون الإعلان عن سياسة واضحة لإدارة سعر الصرف، أدوات لحماية القوة الشرائية، خطة لمعالجة التضخم، ورؤية متكاملة لدعم الإنتاج المحلي، فالضبط المحاسبي للنفقات قابله تآكل حقيقي في دخل المواطن، ما يؤكد أن الأزمة لم تُحل بل أُعيد توزيعها اجتماعياً.

تجاوز صلاحيات حكومة تصريف الأعمال

إلغاء قرارات سابقة، إعادة هيكلة تخصيصات، مراجعة شهادات ورواتب، وتغيير سياسات التوظيف… كلها قرارات ذات أثر طويل الأمد، لا يجوز لحكومة تصريف أعمال اتخاذها، لأنها تفتقر للتفويض السياسي، تقيّد الحكومة المقبلة، وترحّل الأزمة بدلاً من معالجتها.

من يدفع الثمن فعلياً؟

عند تفكيك الأثر الواقعي لهذه القرارات، تتضح صورة غير متوازنة للكلفة:

المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر؛ إذ يواجه انخفاضاً في دخله الحقيقي، وارتفاعاً في الأسعار، وتراجعاً في فرص العمل، في ظل غياب أي سياسة لحمايته.

الموظف الحكومي يعيش حالة عدم استقرار مالي، حيث بات راتبه خاضعاً للتأخير والتدقيق والربط بإجراءات إدارية، دون أن يكون مسؤولاً عن سوء التخطيط المالي.

القطاع الخاص يعاني من ركود الطلب وتباطؤ السوق، ما انعكس سلباً على الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، وهي عماد الاقتصاد الحقيقي.

في المقابل، بقي المسؤول وصانع القرار بلا كلفة:

لم تُمس امتيازاته، ولم يُحاسب على الإخفاق، ولم تُفتح ملفات الفشل في إدارة الإيرادات والسياسة النقدية. وهكذا يتكرر المشهد ذاته: الدولة تُخطئ في الإدارة، والمجتمع يدفع الثمن، والسلطة تنجو بلا مساءلة.

ما صدر عن المجلس الوزاري للاقتصاد لا يمكن توصيفه كإصلاح اقتصادي، بل هو: إدارة أزمة قصيرة النظر، معالجة محاسبية لا اقتصادية، نقل منظم للأزمة من الدولة إلى المواطن، وهروب من مواجهة الفشل البنيوي في إدارة المال العام. إن الدولة التي تعجز عن إصلاح نفسها، تبدأ بتقليص حياة مواطنيها.

توصية للرأي العام

أي حديث عن “ضبط النفقات” دون  إصلاح السياسة النقدية، مكافحة الفساد الحقيقي، تنويع الإيرادات غير النفطية، وتقليص امتيازات السلطة. هو خطاب تضليلي، يدفع المواطن وحده ثمنه.

حين تخفق الدولة في إدارة إيراداتها وسياساتها النقدية، تختار الطريق الأسهل: تحميل المواطن ثمن الإخفاق باسم ضبط النفقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *