مقدّمة تحليلية
لم يكن الجدل الذي أُثير حول مارك سافايا مجرّد خلاف إداري عابر داخل أروقة صنع القرار الأمريكي، بل عكس في جوهره إشكالية أعمق تتعلّق بطبيعة المقاربة التي اعتمدتها إدارة دونالد ترامب في إدارة الملف العراقي. فإقصاء شخصية غير دبلوماسية، انتقلت من عالم المال والأعمال إلى ساحة شديدة التعقيد سياسيّاً وأمنيّاً، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول حدود التجريب السياسي في البيئات الهشّة، وحول مدى إعادة تقييم واشنطن لأدوات نفوذها في العراق.
أولاً: المبعوث غير المهني وإشكالية التمثيل
جاء تعيين مارك سافايا في أكتوبر 2025 خارج السياق التقليدي للدبلوماسية الأمريكية. فالرجل لم يمتلك خلفية دبلوماسية أو خبرة في إدارة الملفات السيادية، بل عُرف أساساً كتاجر عراقي–أمريكي. وقد عكس هذا الاختيار توجهاً داخل إدارة ترامب يقوم على تفضيل «الولاء السياسي» و«العلاقات الشخصية» على حساب المهنية المؤسسية، وهو نمط سرعان ما أثبت محدوديته في الحالة العراقية.
فالعراق لا يُعدّ ساحة اقتصادية قابلة للإدارة بمنطق الصفقات، بل يشكّل حقل توازنات دقيقة بين الدولة، والفاعلين المسلحين، والمرجعيات السياسية، فضلاً عن التأثيرات الإقليمية والدولية. وهو ما جعل خطاب سافايا، ولا سيما حديثه العلني عن تقليص نفوذ الفصائل المسلحة وتعزيز سلطة المركز، يبدو أقرب إلى شعارات سياسية منه إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
ثانياً: عقدة نوري المالكي وفشل التأثير السياسي
مثّل ملف ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء نقطة الانكسار الأبرز في مسيرة سافايا. فوفق تقارير غربية، من بينها وكالة رويترز، عجز المبعوث الأمريكي عن التأثير في مسار هذا الترشيح أو تعطيله، ما كشف حدود النفوذ الأمريكي الحقيقي داخل المعادلة العراقية، ولا سيما عندما يصطدم بإجماع قوى محلية وغطاء إقليمي داعم.
هذا الإخفاق لم يكن شخصياً بقدر ما كان بنيوياً؛ إذ أظهر أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض «الفيتو السياسي» كما في مراحل سابقة، وأن أدوات الضغط التقليدية فقدت كثيراً من فعاليتها في بيئة عراقية باتت أكثر استقلالية وتعقيداً.
ثالثاً: التحوّل إلى توماس باراك… تغيير أسلوب أم إعادة تموضع؟
إن إعلان بغداد، على لسان وزير الخارجية فؤاد حسين، انتهاء مهمة سافايا وتسليم الملف إلى توماس باراك، لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً شكلياً أو تقنياً. فباراك، رغم كونه رجل أعمال أيضاً، يمتلك شبكة علاقات أوسع وخبرة أطول في إدارة الملفات الحساسة، ما يشير إلى رغبة أمريكية في الانتقال من خطاب المواجهة المباشرة إلى نمط إدارة أكثر هدوءاً ومرونة.
ويعكس هذا التحوّل إدراكاً متأخراً في واشنطن بأن العراق لا يُدار عبر الرسائل الإعلامية أو المواقف المعلنة على منصات التواصل، بل من خلال توازن دقيق بين الضغط والتفاهم، وبين المقاربة الأمنية والحسابات السياسية.
رابعاً: الشائعات والفساد… عرض جانبي أم أداة إقصاء؟
شكّل انتشار شائعات تتعلّق بفساد مالي أو بتلقّي رشى خلال فترة عمل سافايا، سواء ثبتت أو لم تثبت، عاملاً إضافياً في إضعاف موقعه. ففي العرف السياسي الأمريكي، يكفي تآكل «المصداقية العامة» لإسقاط أي مسؤول يتولى ملفاً حساساً، ولا سيما إذا تزامن ذلك مع إخفاق سياسي واضح.
خلاصة استراتيجية
إن نهاية دور مارك سافايا تمثّل أكثر من مجرد تغيير اسم في ملف العراق؛ فهي مؤشر على مأزق المقاربة الأمريكية ذات الطابع الشخصي وغير المؤسسي، كما تكشف عن تراجع القدرة الأمريكية على توجيه المسارات السياسية العراقية، وعن حاجة واشنطن إلى إعادة تعريف نفوذها ضمن معادلة إقليمية متحركة.
فالعراق، في هذه المرحلة، لم يعد ساحة اختبار لمبعوثين غير تقليديين، بل عقدة استراتيجية تتطلب فهماً عميقاً لبنية السلطة، وحدود التأثير، وموازين القوة الفعلية على الأرض.


