مقدمة
لم تعد مراسم الأربعين الحسيني علیه السلام، مجرّد مناسبة دينية محضة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية، سياسية وثقافية واسعة النطاق، تمثّل مظهراً حيّاً وملموساً لانبعاث مشروع حضاري إسلامي جديد. إنّ هذا الحشد المليوني الذي يسير على درب كربلاء حبّاً للحسين عليه السلام، لا يُعبّر فقط عن حالة دينية، بل يُجسّد هوية عابرة للحدود، ونمطاً فريداً من التضامن الإنساني، ومساراً نحو الحرية الحقيقية، حيث تتجلّى معاني المقاومة والعدالة والكرامة في أسمى صورها.
وفي ظل تعقّد المشهد الدولي، ومع تصاعد الفجائع الإنسانية، لا سيما في غزة المحاصرة التي تواجه إبادة جماعية وتجويعاً ممنهجاً، تبرز قدرات الأربعين الحضارية اليوم أكثر من أي وقت مضى. لقد تجاوزت هذه الظاهرة حدود الطقوس، لتصبح رسالةً مدوية: رسالة وعي ومقاومة وحرية.
الأربعين… رمز الهوية المشتركة والتضامن العابر للحدود
في عالم تتكاثر فيه أدوات التفرقة، وتُستغل فيه الحدود القومية والعرقية واللغوية لبثّ الفتن والصراعات، تأتي مسيرة الأربعين لتخترق تلك الحواجز، وتُعيد رسم ملامح الأمة الواحدة. من العراق وإيران، مروراً بلبنان واليمن وسوريا وباكستان ونيجيريا، وصولاً إلى أوروبا وأمريكا، يتوافد الملايين على درب واحد، حاملين راية واحدة: نصرة الحسين (ع) وندائه الخالد: “هل من ناصر ينصرني؟”.
إنّ هذا التجمّع العالمي نابع من هوية عقائدية ذات أبعاد روحانية وأخلاقية، تتمحور حول العدالة والكرامة وطلب الحق. وفي مقابل عالم تنهشه العنصرية والاستكبار والرأسمالية المتوحّشة، تشكّل مراسم الأربعين نموذجاً حيّاً للأخوّة والتكافل، ومنظومة حضارية قائمة على الإيثار والإنسانية.
الحضارة الحسينية في مواجهة منظومة الاستكبار
رغم كل ما حقّقه الغرب من تقدّم تقني، إلا أنه فشل في تقديم إجابة لأزمات الإنسان المعاصر، لا سيّما في ما يتعلّق بالمعنى، والعدالة، والسلام. إنّ المآسي التي يشهدها قطاع غزة، من حصار وتجويع وقتل ممنهج للمدنيين، تعرّي هذا النظام العالمي وتفضح عجزه القيمي، حيث تلوذ المؤسسات الدولية بالصمت القاتل.
وفي مقابل هذا الانحدار، تُطلق مسيرة الأربعين صوتاً آخر، صوت الإنسان الحرّ الذي يرفض الذلّ والخنوع. إنها صرخة “هيهات منا الذلة” التي انطلقت من كربلاء وتجد صداها اليوم في خطوات الزائرين، في كل درب يؤدّي إلى مرقد الحسين عليه السلام. هنا، تبدأ ملامح حضارة جديدة، تقوم على التضحية، والروحانية، والعدالة، والحرية.
مجاعة غزة، اختبار لضمير البشرية
ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني، وخصوصاً في غزة، من حصار وتجويع وتخريب للكرامة الإنسانية، هو تجسيد حيّ لانهيار المنظومة الأخلاقية للهيمنة العالمية. وفي هذا السياق، تأتي الأربعين كموقف أخلاقي وروحي، مقاوم لهذا الظلم الصارخ. وبينما تزیّف وسائل الإعلام الغربية الحقائق، يحمل المشاركون في مسيرة الأربعين رايات فلسطين، ويهتفون ضد الصهيونية، ليكونوا صوت الضمير الحيّ في زمن التعتيم.
إن كانت كربلاء في القرن الأوّل للهجرة ساحة تامة لمواجهةٍ بين الحقّ والباطل، فإنّ غزة، واليمن، وسائر بقاع المقاومة، امتدادٌ لذلك الخطّ. الأربعين تذكّر بأنّ الظلم لا يُهزم إلا على يد الأحرار الذين اقتدوا بالحسين عليه السلام.
الأربعين، مدرسة لإعداد الإنسان الحضاري
في هذا المسار الطويل نحو كربلاء، لا تُختصر التجربة بالحركة الجسدية فقط، بل هي رحلة روحية نحو تطهير النفس، وبعث الفطرة، والانتقال من اللامبالاة إلى الفاعلية. إنها مسيرة من الظلمة إلى النور، من الغفلة إلى الوعي، ومن القيد إلى الحرية.
وتحمل هذه المناسبة في طيّاتها أبعاداً تربوية عميقة: شباب يخدمون الزائرين في المواكب، نساء ورجال يُضحّون بلا مقابل، أطفال يتعلّمون مفاهيم الكرم والتفاني بالممارسة الحيّة… كل ذلك يعبّر عن مشروع تربوي مضاد لثقافة الاستهلاك والفردانية التي تسود الحضارة الغربية، وتقوم بدلاً عنها على حبّ الحسين علیه السلام وخدمة الإنسان.
من غزة إلى كربلاء… وحدة المقاومة تحت راية الأربعين
شهد العام الماضي تصعيداً في ساحات المقاومة، من غزة إلى لبنان واليمن وسوريا، وجميعها تشهد عودة واضحة لخطاب الصمود في وجه الاستكبار. وفي هذا السياق، تشكّل مسيرة الأربعين نقطة التقاء لكل هذه الجبهات. فهي لا تحيي شعائر دينية فحسب، بل تؤسّس لروابط استراتيجية بين الشعوب الحرّة.
لقد أصبحت فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، جزءاً لا يتجزّأ من الوعي الحسيني المعاصر. وتجلّت هذه الحقيقة في الحضور المكثف للرموز الفلسطينية في مسيرة الأربعين، وفي الشعارات والهتافات التي تعبّر عن التلاحم مع المقاومة، حيث تُمزج الدموع بالدعاء، والخطوات بالوعي، والولاء بالتحرّر.
خاتمة: الأربعين… أفق حضاري إسلامي جديد
لم تعد الأربعين اليوم مجرد مناسبة شيعية، بل باتت تمثّل تجلّياً لمشروع حضاري إسلامي بديل؛ حضارة تقوم على الخدمة بدل الهيمنة، والعطاء بدل الطمع، والمحبة بدل العنف. إنها حضارة تصنع الإنسان المقاوم، الحر والكرامتي.
وفي وقت يغفو فيه الضمير العالمي على وقع جرائم الإبادة في غزة، تأتي الأربعين لتوقظه. إنها مناسبة لإعادة تعريف الهوية الدينية، وترميم رأس المال الاجتماعي، وصياغة نموذج جديد للتعايش الإنساني القائم على العدل.
الحضارة الحسينية هي السبيل الحقيقي للخلاص، الطريق الذي يبحث عنه الإنسان المعاصر وسط ظلمات الاستهلاك والاستلاب. ومن كربلاء إلى غزة، لا يزال النداء واحداً: “الظلم لا يدوم”. كما قال سيد الشهداء علیه السلام: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً… وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».


