قصائد السياب ملاذات آمنة لروحٍ هائمة

قصائد السياب ملاذات آمنة لروحٍ هائمة
تسلط المقال على أبعاد السياب الإنسانية والعاطفية، مؤكداً أن حبه للجميلات كان ضرورة وجودية لإبداعه، وأن قصائده، بما فيها "أنشودة المطر"، تجسد قوة الروح على الألم وتحافظ على الخلود الفني للشاعر....

في الوقت الذي قطعت فيه المجتمعات الغربية أشواطاً بعيدة في صون كرامة الفرد، متجاوزةً الخوض في المظهر أو العيوب الجسمانية، بل ومشرّعةً قوانين صارمة تعاقب على ذلك تحت طائلة “التنمر”، لا نزال في فضائنا الثقافي نرزح أحياناً تحت وطأة “محاكمة المبدع” في أدق تفاصيل حياته. وغالباً ما يُهاجم المبدعون بعيوبهم الشكلية أو حتى بنوازعهم الوجدانية بدلاً من نقد نتاجهم الفكري؛ وكأن المبدع مُطالب بأن يكون قالباً مثالياً في جسده وسلوكه لكي يُقبل إبداعه. ومن هذا المنطلق، تبدو كلمات “بلقيس شرارة”  في وصفها لجسد بدر شاكر السياب عثرة تعبيرية، ربما استلهمت قسوتها من الوصف التشريحي الذي ساقه الناقد “إحسان عباس” في سيرة السياب، لكنها استدركت لتقع في أمرٍ أكثر إشكالية؛ حين انتقدت عاطفته الجامحة نحو “الجميلات” وكتابة الغزل فيهن، معتبرةً ذلك عيباً ينقص من قدره، ومتناسيةً أن روح الشاعر الحقيقي لا تتنفس إلا بالحب، وأن تلك العاطفة كانت الترياق الوحيد الذي يواجه به السياب ذبول جسده وقسوة قدره.

لقد غاب عن بلقيس شرارة أن روح الشاعر، لاسيما شاعر بوجد الحزن الذي سكن السياب، هي روحٌ عطشى دائماً لوجود “مُلهمة” أو “معشوقة” تكون بمثابة الجسر الذي يعبر عليه من واقع الجسد المحطم إلى خلود النص. إن حب السياب للجميلات لم يكن “عيباً” أو نزوةً عابرة، بل كان ضرورة وجودية؛ فالشاعر الذي نهش السل رئتيه، وأكلت الغربة أيامه، كان بحاجة إلى ذلك الوهج العاطفي ليستمر في الكتابة. إن كتابة الغزل في الجميلات كانت بالنسبة للسياب هي المحاولة الأخيرة للانتصار على الذبول البدني؛ فبينما كان جسده يذوي، كانت قصائده العاطفية تُورق بالحب والحياة، وكأن كل “معشوقة” كانت تمنحه نفساً إضافياً ليتمّ قصيدته. إن انتقاد بلقيس لعاطفة السياب يتجاهل طبيعة “الذات الشاعرة” التي لا يمكنها أن تقتات إلا على الجمال. فالسياب لم يكن يبحث عن الحب بمعناه السطحي، بل كان يبحث عن “الأنثى الرمز”، تلك التي تعوضه عن حنان الأم الذي فقده صغيراً، وعن قسوة المرض التي لاحقته كبيراً. إن “أزهار ذابلة”، و”أساطير”، و”شناشيل ابنة الجلبي”، لم تكن مجرد أسماء أو قصائد غزل، بل كانت ملاذات آمنة لروحٍ هائمة تجد في الجمال ترياقاً لمرارة الواقع. فالشاعر الحقيقي لا يكتب من فراغ، بل من قلبٍ يشتعل، والسياب كان يحترق حباً ووجعاً ليخرج لنا “أنشودة المطر”.

إننا اليوم، ونحن نتأمل هذه الانتقادات، ندرك أن “هفوة” بلقيس شرارة كانت سبباً في إعادة تسليط الضوء على إنسانية السياب الفائضة. لقد جعلتنا نتجاوز “الصورة” القاصرة لجسده، ونتجاوز “التحفظ” على عواطفه، لنستقر في عمق جرحه الذي أنبت شعراً عابراً للزمن. نشكر بلقيس لأنها، دون قصد، أحيت فينا الدفاع عن حق الشاعر في أن يحب، وفي أن يجد في الجمال مبرراً لبقائه.

ويبقى السياب أيقونة لا تُطال؛ ليس لأنه كان كاملاً، بل لأنه كان بشراً حقيقياً، بآلامه، ونحوله، وعواطفه المتدفقة. إن الدروس التي نستخلصها هي أن المبدع العراقي يستهلك روحه وجسده ليبقى أثره، ولتظل قصائد السياب شاهدة على أن الحب لم يكن عيباً فيه، بل كان هو المعجزة التي جعلت من جسده المتعب نبعاً لا ينضب من الجمال. سيبقى السياب حياً في وجداننا، ليس كجسدٍ وُصف بقسوة، بل كأنشودةٍ خالدة تُعلمنا أن الروح التواقة للجمال هي الروح التي لا تموت أبداً.

One Response

  1. احسنت الوصف والجمال الذي اظهرته في شاعرنا الكبير السياب…ابدعت حقا دكتور لكم منا كل التقدير والاحترام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *