يحملُ المُثَقَّفُ على عاتِقِهِ مسؤولِيَّةً كَبِيرةً، وهذهِ المسؤولِيَّةُ غيرُ قابِلَةٍ للقِسْمَةِ على اثنَينِ أوْ رَمادِيَّةٍ.
فالإِنسَانِيَّةُ تُواجِهُ المُشْكِلاتِ الكَبِيرَةَ في كُلِّ العُصورِ، وإنَّ دَوْرَ المُثَقَّفِ هوَ الوُقُوفُ على الحَقِيقَةِ، ومُحَاوَلَةُ صُنْعِ مَسَاحَةٍ للبَيَاضِ يَنْتَصِرُ فِيها للمَظْلُومِ على الظَّالِمِ، ويَنْصُرُ الحَقَّ ولا يُخْذِلُهُ، دُونَ اختِيَارِ فِكْرَةِ الصَّمْتِ أو الحِيَادِ لِصُنْعِ مَنْطِقَةٍ رَمَادِيَّةٍ. مُعَلِّلًا فَشَلَهُ وخَوْفَهُ مِنَ الخَسَارَةِ المادِّيَّةِ أو المَعْنَوِيَّةِ أو حتَّى خَسَارَةِ الجُمهُورِ بِبَنْدٍ لا نَعْرِفُ مَنْ يَكُونُ المَظْلُومَ !
تَخَيَّلُوا أنْ يَجْهَلَ المُثَقَّفُ الطَّرَفَ المَظْلُومَ لِيَتَخَاذَلَ عنْ دَوْرِهِ الإِنْسَانِيِّ، فَضْلًا عنِ الدَّوْرِ الإِسْلَامِيِّ.
بالتَّأكيدِ، لَيْسَ كُلُّ صِرَاعٍ في الكَوْنِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ على الحَقِّ، فَرُبَّما كِلَا الطَّرَفَيْنِ على البَاطِلِ، ولكنْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ طَرَفَانِ لِصِرَاعٍ على الحَقِّ.
إِنَّ أَحَدَ أَبرَزِ أَدْوارِ المُثَقَّفِ هوَ تَحْلِيلُ الصِّرَاعاتِ القَائِمَةِ بِمَنْهَجِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ وفِكْرِيَّةٍ. عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا في تَوْصِيفِ الوَاقِعِ بَعِيدًا عنِ الانْحِيَازَاتِ الشَّخْصِيَّةِ أوِ الأَيْدِيُولُوجِيَّةِ أوِ الخَوْفِ.
ولا يَقْتَصِرُ دَوْرُهُ فَقَطْ على التَّحْلِيلِ الأكَادِيمِيِّ أو النَّقْدِ الأدَبِيِّ لِيَسْقُطَ بذلكَ عن نَفْسِهِ فَرْضَ المُشَارَكَةِ في الصِّرَاعَاتِ، بَلْ أنْ يُسَخِّرَ كُلَّ إِمْكَانِيَّاتِهِ ويمتدَّ لِيَشْمَلَ التَّأْثِيرَ في السِّيَاسَاتِ، وصُنْعَ الرَّأْيِ العَامِّ، وحَتَّى المُشَارَكَةَ المُبَاشِرَةَ وتَقْدِيمَ مَا عِنْدَهُ من أَدَوَاتٍ أُخْرَى. التَّارِيخُ حَافِلٌ بِالأَمْثِلَةِ التي تُجَسِّدُ هَذَا الدَّوْرَ المَحْوَرِيَّ لِلْمُثَقَّفِ في تَغْيِيرِ مَسَارَاتِ الصِّرَاعَاتِ وَتَعْزِيزِ قِيَمِ الحَقِّ والعَدَالَةِ ، وهنا يَجِبُ على المُثَقَّفِ مَعْرِفَةُ المَظْلُومِ وَالدِّفَاعُ عنهُ، ومَعْرِفَةُ الظَّالِمِ وَمُحَاوَلَةُ رَدْعِهِ، وإلَّا ما نَفْعُ كَوْنِهِ مُثَقَّفًا وهوَ يَجْهَلُ المَظْلُومَ حتَّى؟
وهنا يَجُرُّنَا الحَدِيثُ إلى وَاحِدٍ مِنْ أَهَمِّ الصِّرَاعَاتِ التي يَعِيشُهَا المُجْتَمَعُ الإِسْلَامِيُّ والعَرَبِيُّ على وَجْهِ الخُصُوصِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ عَامًا، وهَذَا صِرَاعٌ تَمَثَّلَ بِالقَضِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ. ولو نَظَرْنَا إلى أَعْمَقَ مِنْ هَذَا الصِّرَاعِ لَوَجَدْنَا جُذُورَهُ تَمْتَدُّ إلى بِدَايَةِ صَدْرِ الإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا … ﴾.
وهَذِهِ العَدَاوَةُ الَّتِي امْتَدَّتْ لأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، عَاشَ خِلَالَهَا المُسْلِمُونَ مَرْحَلَةً مِنَ التَّآمُرِ.
وما يَهُمُّنَا الآنَ هو كَيْفِيَّةُ تَشْخِيصِ القَضِيَّةِ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ إِنْسَانِيَّةٍ. يَقُولُ الكَاتِبُ اليَابَانِيُّ نُوبُوأكِي نُوتَاهَارَا في كِتَابِهِ “العَرَبُ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ يَابَانِيَّةٍ” حيثُ شَخَّصَهَا بِقَوْلِهِ:
“المَسْأَلَةُ بِبَسَاطَةٍ شَدِيدَةٍ هِيَ أَنَّ مَجْمُوعَةً بَشَرِيَّةً جَاءَتْ مِنْ خَارِجِ فِلَسْطِينِ وَاسْتَوْطَنَتْ بِقُوَّةِ السِّلاحِ، ثُمَّ شَرَّدَتْ شَعْبًا، واغْتَصَبَتْ أَرْضَهُ وَثَقَافَتَهُ وَتَارِيخَهُ. فَالقَضِيَّةُ الفِلَسْطِينِيَّةُ خَطَأٌ ارْتَكَبَهُ العَالَمُ، وما زَالَ يَتَفَرَّجُ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يَعْمَلَ جِدِّيًّا عَلَى حَلِّهِ.” فالرَّجُلُ اختَصَرَ الصِّرَاعَ مَعَ إِيجَادِ الطَّرَفِ صَاحِبِ الحَقِّ المَظْلُومِ وَمَنْ هُوَ المُغْتَصِبُ الظَّالِمُ، لِيُضِيفَ قَائِلًا: “إِنَّ حَلَّ مُشْكِلَةٍ مَا، أوْ تَجَاوُزَ جَرِيمَةٍ مَا، لا يَكُونُ بِإِيجَادِ مُشْكِلَةٍ جَدِيدَةٍ أو ارْتِكَابِ جَرِيمَةٍ جَدِيدَةٍ. الجَرِيمَةُ امْتِحَانٌ كَبِيرٌ لِعَدَالَةِ البَشَرِ، ولِوَعْيِهِمْ وَمَسْؤُولِيَّتِهِمْ، وَامْتِحَانٌ لِلْكَرَامَةِ وَالشَّرَفِ وَالضَّمِيرِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ.”
وهَذَا ما حَدَثَ مِنْ تَدْمِيرٍ وَتَهْجِيرٍ وَقَتْلٍ، لِيَأْتِيَ السُّؤَالُ الأَهَمُّ: أَيْنَ المُثَقَّفُ العَرَبِيُّ مِنْ هَذَا الصِّرَاعِ؟
لا أُنْكِرُ وُجُودَ ثُلَّةٍ لا بَأْسَ بِهَا تَعِيشُ مَعَ هَذَا التَّحَدِّي الوَحْشِيِّ وتَرْفُضُهُ بِكُلِّ مَا تَمْلِكُ مِنْ قُوَّةٍ.
وَلَكِنْ هُنَاكَ جُيُوشٌ مِنَ المُثَقَّفِينَ العَرَبِ قَدْ تَعَايَشُوا مَعَ الوَاقِعِ، وأَصْبَحَتِ القَضِيَّةُ مُجَرَّدَ خَبَرٍ صَحَفِيٍّ: أَنْ يُقْتَلَ طِفْلٌ في شَارِعٍ، أو يَعْطَشَ، أو يَمُوتَ جُوعًا. لقد أَصْبَحَتِ الأَخْبَارُ اعْتِيَادِيَّةً جِدًّا بالنِّسْبَةِ لِكَثِيرٍ مِنْهُم، وهُمْ يُشَاهِدُونَ نَشْرَاتِ الأَخْبَارِ حِينَ تَقُولُ: “تَمَّ قَصْفُ مُسْتَشْفًى، وَالضَّحَايَا مِنَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ”. بَلْ عَمِدَ البَعْضُ إِلَى لُغَةٍ جَدِيدَةٍ فِي الخِطَابِ، وَهِيَ التَّقْلِيلُ مِنْ أَهَمِّيَّةِ الحَدَثِ.
فَصَارَ المُقَاوِمُ يُوَصَفُ بِـ”المِيليشْيَا”، وَالشَّهِيدُ يُسَمَّى “قَتِيلًا”، حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ التَّطْبِيعِ الفِكْرِيِّ مَعَ مُوجَةِ التَّطْبِيعِ السِّيَاسِيِّ. إِنَّ القِلَّةَ القَلِيلَةَ الَّتِي تَدْعُو بِوَاسِطَةِ الأَدَبِ المُقَاوِمِ لِلتَّصَدِّي لِلظُّلْمِ وَالاحْتِلالِ، أَوْ أَيِّ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ القَمْعِ وَالاضْطِهَادِ، صَارَتْ تُوصَفُ بِـ”الخِيَانَةِ وَالعَمَالَةِ”.
هَذِهِ الفِئَةُ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ مُعَانَاةِ الشُّعُوبِ وَتُحَفِّزُهَا عَلَى الصُّمُودِ وَالنِّضَالِ مِنْ أَجْلِ الحُرِّيَّةِ وَالكَرَامَةِ، صَارَتْ تُنْعَتُ بِأَوْصَافٍ تُشَوِّهُ حَقِيقَتَهَا وَتُحَاوِلُ إِسْكَاتَ صَوْتِهَا.
وَلَا أَدْرِي، مَاذَا كَانَ يُوصَفُ مَحْمُودُ دَرْوِيشَ لَوْ كَانَ الآنَ مَوْجُودًا؟
رُبَّمَا كَانَ يُوصَفُ بِـ”الطَّائِفِيِّ” أَوْ “الشِّيعِيِّ”!


