هل يلفظ نظام القطب الأوحد أنفاسه الأخيرة؟

هل يلفظ نظام القطب الأوحد أنفاسه الأخيرة؟
يتکلم المقال عن أفول وهم القطب الأوحد الأمريكي مشيرًا إلى صعود محور الشرق وسياسات ردع غير تصادمية. العراق بموقعه الجغرافي يحتاج لتموضع وطني مرن يوازن المصالح الدولية ويعيد تعريف السيادة على أساس القوة الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن الانفعال والولاءات الأحادية...

لم يعد الحديث عن أفول نظام القطب الأوحد ترفاً فكرياً أو أمنية سياسية لدى خصوم الولايات المتحدة، بل أصبح سؤالاً مطروحاً بجدية داخل دوائر البحث الاستراتيجي نفسها. غير أن المؤشر الأبرز على هذا التحول لا يكمن فقط في صعود قوى دولية منافسة، بل في السلوك الأمريكي ذاته، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي تعامل مع النظام الدولي لا بوصفه إطاراً ناظماً، بل أداة ربح وخسارة. لقد مثّلت تصريحات ترامب وسلوكياته—من تجاهل المواثيق الدولية، إلى التهديد العلني لدول حليفة وخصمة على السواء—علامة فارقة في الانتقال من الهيمنة المنضبطة إلى الهيمنة الفجّة. فالتلويح بإمكانية تكرار ما جرى في فنزويلا “في أي مكان”، والتعامل مع الجغرافيا السياسية بعقلية “الغنيمة”، لا يعبّر عن قوة فائقة بقدر ما يكشف قلق القوة من تراجع قدرتها على الضبط. إن الإيحاء بإمكانية عقد صفقات كبرى من نوع “أوكرانيا لروسيا” أو “تايوان للصين” مقابل صمت استراتيجي، حتى لو جاء في إطار الخطاب لا القرار، يعكس ذهنية ترى العالم سوق مقايضة لا نظاماً دولياً. وهذا بحد ذاته مؤشر تآكل، لا توسّع. محور الشرق: توازن ردع أم توازن صبر؟ في مقابل هذا السلوك، يبرز ما يُعرف بمحور الشرق، الذي تقوده كل من الصين وروسيا، وتدور في فلكه دول مثل كوريا الشمالية وإيران وباكستان، إلى جانب دول أخرى أبدت تذمّرها من الغطرسة الأمريكية. السؤال الجوهري هنا ليس: هل يمتلك هذا المحور القدرة على المواجهة؟ بل: هل يريد المواجهة أصلاً؟ المعطيات الواقعية تشير إلى أن هذا المحور: يمتلك أدوات ردع كافية لمنع الإخضاع السريع، لكنه لا يمتلك مصلحة في حرب كونية مفتوحة، ويعتمد استراتيجية النفس الطويل، واستنزاف التفوق الأمريكي اقتصادياً وسياسياً لا عسكرياً فقط. فالصين، على سبيل المثال، تراهن على الزمن والسوق والتكنولوجيا، لا على الحرب. وروسيا تراهن على تفكيك وحدة الخصوم أكثر من مواجهتهم مباشرة. أما إيران، فهي تمارس سياسة كلفة مقابل كلفة، لا سياسة الصدام الشامل. هل لا بد من حرب عالمية ثالثة؟ الطرح القائل إن ولادة نظام دولي جديد تستلزم حرباً عالمية ثالثة هو طرح تاريخي جزئياً، لكنه غير حتمي.

فالنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وُلد من رماد حرب شاملة، نعم، لكن السياق الحالي مختلف جذرياً: السلاح النووي يجعل الحرب الشاملة انتحاراً جماعياً، الاقتصاد العالمي مترابط إلى حد يجعل الانفجار الشامل مدمّراً للجميع، أدوات الصراع انتقلت من الجيوش إلى: العقوبات، التكنولوجيا، الطاقة، سلاسل الإمداد، والحروب بالوكالة. وعليه، فإن الأرجح ليس حرباً عالمية واحدة، بل سلسلة صراعات كبرى محدودة، تعيد رسم التوازن تدريجياً، وتؤدي في النهاية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب غير معلن، قبل أن يُعلَن رسمياً. الخلاصة الواقعية يمكن القول إن: نظام القطب الأوحد لا ينهار فجأة، لكنه يتآكل تحت وطأة سلوكه المتغطرس، ومحور الشرق لا يسعى إلى إعلان نظام بديل بالقوة، بل إلى جعل القطب الأوحد عاجزاً عن فرض إرادته. نحن لا نقف على أعتاب نهاية النظام الدولي، بل أمام نهاية وهم السيطرة المطلقة. والتاريخ غالباً لا يغيّر أنظمته بضربة واحدة، بل بسلسلة أخطاء قاتلة… يرتكبها الأقوى حين يظن أنه فوق المحاسبة. العراق في زمن تآكل القطب الأوحد: بين الانجراف والتموضع العقلاني يقف العراق في قلب هذا التحول الدولي لا على هامشه، لا لقوته، بل لموقعه الجغرافي وتشابك مصالح القوى الكبرى والإقليمية على أرضه.

فهو ليس دولة محايدة بالمعنى التقليدي، ولا دولة قادرة على فرض إرادتها، لكنه أيضاً ليس قدراً محتوماً بيد الآخرين. إن أخطر ما قد يواجهه العراق في المرحلة المقبلة ليس الانحياز، بل سوء إدارة الانحياز. العقلانية السياسية تفرض على النخب العراقية، والحكومة القادمة على وجه الخصوص، إدراك أن زمن الرهان على قطب واحد يقترب من نهايته، وأن الاستمرار في سياسة “الانتظار” أو “إرضاء الجميع” لم يعد خياراً عملياً. المطلوب ليس القطيعة مع الولايات المتحدة، ولا الارتماء الكامل في أحضان المحور الشرقي، بل بناء تموضع مرن يقوم على مبدأ المصلحة الوطنية لا منطق الولاءات. إن التصرف العقلاني يقتضي من العراق: تحييد أراضيه عن الصراعات الكبرى قدر الإمكان، ومنع تحويلها إلى ساحة تصفية حسابات. بناء شراكات اقتصادية متوازنة مع الشرق والغرب، تجعل كلفة زعزعة استقراره عالية على الجميع. إعادة تعريف السيادة بوصفها قدرة على القرار لا مجرد شعارات، وهو ما يتطلب دولة قوية ومؤسسات فاعلة. ضبط الفواعل المسلحة خارج إطار الدولة، لأن ازدواج القرار الأمني يفقد العراق أي قدرة تفاوضية حقيقية. الاستثمار في دوره الجيو-اقتصادي كجسر لا كجبهة، خصوصاً في مجالات الطاقة والنقل والتجارة. إن الحكومة القادمة، إن أرادت تجنيب العراق صدمات التحول الدولي، مطالبة بالانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة تقدير الموقف، ومن الخطاب الانفعالي إلى التخطيط البارد. ففي عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة، لا تنجو الدول الضعيفة بالشعارات، بل بالعقل، والحساب، وإدارة التوازنات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *