الجزء السابع من سلسلة..من يختار الحكومة في العراق

الجزء السابع من سلسلة..من يختار الحكومة في العراق
يخلص النص إلى أن “الدولة العميقة” في العراق لا تُكسر بالشارع أو القانون أو “رئيس قوي”، بل تُستنزف تدريجيًا عبر الاقتصاد: تجفيف التمويل الرمادي وضبط الريع والمنافذ، مع تفكيك التواطؤ الصامت وتراكم نزع الشرعية، وبناء بديل دولتي أقوى....

حسنًا… إذن ندخل المنطقة التي يُفضّل الجميع الدوران حولها لا اقتحامها.

سأكون دقيقًا، ورقيقا و باردًا في التحليل، وقاسيًا في الاستنتاج، لأن الاقتراب من الحقيقة لا يحتمل العاطفة ويحتاج كسرا لحاجز الخوف مع الانصاف والامانة في تصوير المنظر بعيدا عن العواطف والميول ،

هل يمكن كسر الدولة العميقة في العراق؟ اذا كان مجرد الاقتراب منها يولد هاجسا من الخوف والخشيه وربما الرعب ،

اذا ربما كل ذلك يفسر لماذا كل الطرق المعروفة فشلت… حتى الآن

السؤال ليس هل نريد كسر الدولة العميقة، بل:

هل تسمح بنية العراق السياسية والأمنية والاقتصادية بكسرها أصلًا؟

التاريخ القريب يقول: كل محاولة كسر مباشرة فشلت.

والسبب ليس ضعف النوايا، بل خطأ نقطة البداية.

الوهم الأول: الشارع

الاعتقاد بأن الشارع وحده قادر على كسر الدولة العميقة هو أكثر الأوهام انتشارًا… وأكثرها قسوة على أصحابه.

الشارع العراقي قوي في الصدمة، ضعيف في الاستدامة.

ينفجر سريعًا، لكنه لا يملك أدوات التحول إلى سلطة بديلة.

الدولة العميقة لا تخاف من غضب عارم، بل تخاف من تنظيم هادئ طويل النفس، وهذا ما لم يتشكل بعد.بسبب الخوف من تفسيرات ادوات الشارع نفسه الذي قد يوصمها بنفس مايوصم السلطة الفاشلة نفسها ،

ثم إن الشارع، حين يقترب من كسر التوازن، يُواجه من السلطة ايضا بثلاث أدوات مجرّبة: الاحتواء، التشويه، أو الاستنزاف الزمني.

وفي كل مرة، يعود الغضب إلى البيوت، وتبقى الشبكة في مكانها.

الوهم الثاني: القانون

الدولة العميقة لا تعمل خارج القانون فقط، بل تعمل عبره أيضًا.

القانون في العراق ليس سيفًا بيد الدولة، بل ساحة صراع.

نصوص تُفسّر، مواد تُعطّل، ملفات تُفتح ولا تُغلق.

أي إصلاح قانوني حقيقي يصطدم فورًا بمن يملك القدرة على تعطيله من داخل المؤسسات نفسها. فالمؤسسه القضائية والقانونيه تشهد صراعا داخليا ومرونة في التعامل مع الواقع السياسي ومع ادوات الصراع السياسي لكنها ستكون صلبة جدا مع صور الجمهور او تحركاته عندما يقترب من منطقة الخطر على الواقع السياسي و(العمليه السياسية )

ولهذا، يصبح القانون أداة تنظيم شكلية لا أداة تغيير جذري.

الوهم الثالث: رئيس وزراء قوي

كل رئيس وزراء يأتي محمّلًا بلقب “القوي”، ثم يغادر مثقلًا بواقع “المقيّد”.

القوة الشخصية لا تكفي في نظام قائم على توازن المنع.

رئيس الوزراء في العراق لا يُفشل لأنه لا يريد، بل لأنه لا يُسمح له أن ينجح خارج الخط المرسوم. لهذا نجد المنهاج الحكومي يركن جانبا ويبقى مجرد شعارات ترفع !

وحين يقترب من تجاوزه، تبدأ عملية التذكير: البرلمان، الشارع، الاقتصاد، الخارج… كلهم في وقت واحد.

إذن… من أين يمكن أن يبدأ الكسر؟

الحقيقة غير المريحة هي أن الدولة العميقة لا تُكسر بضربة واحدة، بل تُستنزف تدريجيًا.

ولا تُواجه في مركزها، بل في أطرافها.

نقطة الكسر الأولى: الاقتصاد لا السياسة

الدولة العميقة تعيش على المال أكثر مما تعيش على الشعارات.

الاقتصاد الموازي هو شريانها الحقيقي.

أي مسار جاد لكسرها يبدأ من: تقليص الريع غير المنضبط، والتدقيق على حسابات ختامية او مواكبة الانفاق والتدقيق الحقيقي وكذلك تجفيف منابع الاقتصاد الموازي !؟

ضبط المنافذ،

إغلاق قنوات التمويل الرمادية،

وتحويل الدولة من موزّع غنائم إلى منظم موارد.!!!

وهنا تحديدًا يبدأ الخطر… لأنك لا تمس خطابًا، بل دخلًا مباشرًا.وكل من اقترب عاد منكسرا ،

نقطة الكسر الثانية: تفكيك التواطؤ لا المواجهة

الدولة العميقة لا تقوم على تحالف شامل، بل على تواطؤ صامت.

كل طرف يعرف حدوده، ولا يتجاوزها.

كسر هذا التواطؤ يبدأ بإجبار الأطراف على الاختيار: إما الدولة… أو الشبكة.

وهذا لا يحدث بخطاب، بل بقرارات صغيرة تراكمية، تجعل البقاء في المنطقة الرمادية مكلفًا.

نقطة الكسر الثالثة: الزمن

هذه النقطة التي لا تُقال بصراحة:

الدولة العميقة ليست خالدة.

هي مرتبطة بجيل، بظرف، بلحظة تاريخية معينة.وبأشخاص تظمن استدامتها وقد تتوالد لكنها لاتورث ربما تنكسر سلسلتها !

لكنها لن تسقط تلقائيًا، بل تتآكل إذا فشلت في إنتاج شرعية جديدة.

كلما عجزت عن تحسين حياة الناس، وكلما تحولت من شبكة حماية إلى عبء، يبدأ التآكل من الداخل.

السيناريو الأخطر: الصدمة

هناك طريق أخير، لا يتمناه أحد، لكنه حاضر في كل التحليلات الجادة:

الصدمة الكبرى، الاقتصادية أو الأمنية أو الإقليمية.

التاريخ يقول إن الدول العميقة غالبًا لا تنهار بالإصلاح، بل بالأزمات التي تفوق قدرتها على الضبطوالمقاومة والتعايش.

لكن هذا الطريق ثمنه فادح، ولا يمكن الدعوة إليه أخلاقيًا ولا وطنيًا.

ولهذا، فإن الخيار العقلاني الوحيد هو الاستنزاف البطيء، لا الكسر العنيف.

الخلاصة التي لا تُقال علنًا

الدولة العميقة في العراق لن تُكسر قريبًا،

لكنها ليست منيعة.

وما يمنع كسرها ليس قوتها فقط،

بل غياب مشروع دولة مكتمل قادر على الحلول محلها.

السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نكسر الدولة العميقة؟

بل: من يملك الجرأة، والصبر، والأدوات لبناء دولة أقوى منها؟

في الخطوة القادمة، إن أردت، يمكننا الاقتراب من السؤال الأخطر على الإطلاق: هل العراق أصلًا دولة قابلة للإنقاذ بصيغته الحالية؟

أم أننا نؤجل مواجهة انهيار مؤجل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *