حينما نصّ الدستور العراقي لسنة 2005 على أنَّ «العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العراق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي»، وفق المادة (14)، لم يكن ذلك ترفاً لغوياً ولا شعاراً للاستهلاك السياسي، بل قاعدة دستورية آمرة يُفترض أن تكون مقدسة في التطبيق قبل أن تكون منمّقة في النص.
غير أنَّ الواقع اليومي يشي بعكس ذلك تماماً. فالمواطنة في العراق لم تعد مفهوماً قانونياً موحَّداً، بل باتت تُقاس – على نحو غير معلن – بعنوان السكن، والقدرة المالية، والقرب من مراكز النفوذ. أحياءٌ لا تنطفئ فيها الكهرباء صيفاً ولا شتاءً، وخدمات بلدية تُدار فيها بدقة الدول المستقرة، تقابلها أحياء أخرى تغرق في الظلام، وتكافح من أجل أبسط مقومات العيش الكريم.
وهنا يبرز السؤال الجارح:
هل سكان الحارثية عراقيون “أكثر أصالة” من سكان البياع؟
وهل ساكنو مجمع بوابة العراق يتمتعون بوطنية مضاعفة مقارنةً بسكان أبو دشير؟
إن هذا التفاوت الفاضح لا يمكن تفسيره إلا بوصفه تمييزاً اجتماعياً واقتصادياً منظماً، وهو ما يتعارض صراحةً مع المادة (16) من الدستور التي أوجبت تكافؤ الفرص لجميع العراقيين، وكفلت الدولة رعايته. فأي تكافؤ هذا، حين تُوزَّع الخدمات العامة بميزان الثروة لا بميزان المواطنة؟
كما أن المادة (30/أولاً) ألزمت الدولة بضمان مقومات العيش الكريم، وتوفير الضمان الاجتماعي والصحي، بما يكفل للإنسان حياة حرة كريمة. ولا يمكن تصور عيش كريم في أحياء بلا كهرباء مستقرة، ولا خدمات بلدية لائقة، ولا بنى تحتية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
بل إن هذا التمييز يُعد أيضاً إخلالاً بمبدأ العدالة الاجتماعية الذي يُستشف من مجمل النص الدستوري، ويقوّض فكرة الدولة بوصفها حارساً للصالح العام، لا وكيلاً لمصالح فئة محددة. فالمادة (27/أولاً) اعتبرت الأموال العامة ملكاً للشعب، وعلى الدولة حمايتها وحسن إدارتها. والخدمات العامة، في جوهرها، صورة من صور إنفاق المال العام، وحين تُوجَّه انتقائياً، فإن ذلك يشكل اعتداءً غير مباشر على مبدأ المساواة في الانتفاع من الثروة العامة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انقطاع الكهرباء أو رداءة الخدمات، بل في تطبيع اللامساواة، وتحويل خرق الدستور إلى ممارسة يومية صامتة. عندها يصبح النص الدستوري وثيقة مُعلَّقة على الجدران، بينما يُدار الواقع بقواعد غير مكتوبة، قوامها النفوذ والمال والمكانة.
فأين هي العدالة القانونية؟
وأين هي العدالة الاجتماعية التي بُشِّر بها العراقيون؟
وأي قيمة لدستور تُنتهك مواده الأساسية في أبسط صورها، دون مساءلة أو تصحيح؟
إن احترام الدستور لا يُقاس بعدد الخطب التي تُلقى باسمه، بل بمدى شعور المواطن – في أي حيٍّ كان – بأن الدولة تراه بعينٍ واحدة، وتخدمه بميزانٍ واحد، وتُعامله بوصفه عراقياً لا أكثر… ولا أقل.
