الرشوة في ميزان الشرع… جريمة لا اجتهاد فيها
حسم القرآن الكريم الموقف دون مواربة، حين وصف الرشوة بـ السُحت، فقال تعالى:
﴿سَمّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّٰلُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 41]
وقد أجمع المفسرون، ومنهم الحسن البصري وسعيد بن جبير، أن السحت هو الرشوة بعينها.
ثم جاء التحريم القاطع في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]
أما السنة النبوية، فقد قطعت الشك باليقين، إذ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلَّم) :
«لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما».
فاللعنة هنا ليست توصيفًا أخلاقيًا عابرًا، بل حكمًا شرعيًا يُسقط العدالة والأهلية معًا.
فمن الأمير السعودي «أبو عمر» الوهمي إلى شبكة حقيقية من السقوط.
غقضية الأمير السعودي الوهمي «أبو عمر» ليست حادثة احتيال فردية، بل مصيدة سياسية مُحكمة كشفت هشاشة أخلاقية صادمة لدى شخصيات تدّعي الوطنية، والورع، والاستقامة العامة.
والأخطر ليس في دهاء ابن فرحان أو براعة الإيقاع، بل في الاستعداد المسبق لدى سياسيين لدفع المال مقابل نفوذ، ووعود، وتدخلات غير مشروعة.
فتوقيف الشيخ خلدون عريمط شكّل لحظة كاشفة، لا لأنه «الفاعل الوحيد»، بل لأنه حلقة في شبكة أوسع بكثير، إمتدت إلى كبار سياسيين، ورجال أعمال، ووسطاء، وشخصيات عامة قبلت أن تشتري الطريق المختصر إلى السلطة.
فالقضاء وحده لا يكفي… لأن الفساد سياسي قبل أن يكون جنائيًا.
والخطأ الجسيم هو حصر هذه الفضيحة في إطار «الملاحقة القضائية» فقط.
فالرشوة ليست مجرد جرم يُقاس بعقوبة السجن أو البراءة، بل هي سقوط أخلاقي وسياسي كامل.
فالسياسي الذي دفع رشوة، حتى لو أفلت قضائيًا، سقط تمثيليًا، وفقد حقه في التشريع، والرقابة، وتولي القرار العام.
فكيف لمن اشترى النفوذ بالمال أن يُؤتمن على المال العام؟
وكيف لمن تواطأ في الخفاء أن يتحدث عن الإصلاح في العلن؟
فالتوصية الحاسمة… بلا مواربة ولا مساومة
بناءً على الشرع، والمنطق، والمصلحة العامة، فإن الواجب الوطني يفرض ما يلي:
1- تنحية فورية ودائمة لكل سياسي أو مسؤول أو شخصية عامة ثبت أنه دفع أموالًا في هذه الشبكة، بغض النظر عن قرار القضاء.
اعتبار الرشوة مانعًا أخلاقيًا وسياسيًا دائمًا من تولي أي منصب عام.
2- نشر الأسماء للرأي العام، لأن السرية في الفساد خيانة ثانية.
التعامل مع الرشوة كـ جريمة إسقاط أهلية لا كملف قابل للتسوية.
فالرشوة قمة الفساد… ومن بلغ القمة لا يعود صالحًا.
والرشوة ليست زلة، ولا إجتهادًا، ولا «غلطة عمر».
فهي قمة هرم الفساد، ومن صعد إليها بإرادته، سقط إلى الأبد من حق التمثيل العام.
فالأوطان لا تُبنى بالمتورعين في الخطب، بل بالنظيفين في الخفاء.
وكل من دفع رشوة… دفع ثمن سقوطه بيده، وعليه أن يدفع الثمن سياسيًا قبل أي شيء آخر.
وإنَّ غدًا لناظره قريب


