تشهد الساحة الدولية في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظاً في السياسات الأحادية التي تتجاوز منطق الشراكة الدولية، وتضرب عرض الحائط بقواعد القانون الدولي ومبدأ التوازن في العلاقات بين الدول. وقد مثّل النهج الذي تبنّاه كلٌّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو نموذجًا صارخًا لهذا التوجه، حيث جرى التعامل مع القضايا الدولية والإقليمية الحسّاسة بمنطق القوة المجردة، لا بمنطق الشرعية الدولية أو الإجماع العالمي . إن السياسات الأحادية، حين تتحول إلى نهج دائم، لا تهدد دولة بعينها فحسب، بل تُقوّض النظام الدولي برمّته.
فالنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية قام، نظريًا على الأقل، على مبادئ احترام السيادة، وحل النزاعات بالطرق السلمية، والاحتكام إلى المؤسسات الدولية . غير أن التجربة العملية خلال مرحلة ترامب .. نتنياهو كشفت عن تراجع خطير لهذه المبادئ لصالح قرارات منفردة، تُفرض بقوة النفوذ العسكري والسياسي، دون اعتبار لتداعياتها طويلة الأمد.د .
لقد تجلّى هذا النهج في ملفات عديدة، من القدس إلى الجولان، ومن الاتفاق النووي الإيراني إلى القضية الفلسطينية، حيث جرى اتخاذ قرارات مصيرية خارج إطار التوافق الدولي، وبما يخدم أجندات سياسية داخلية ضيقة . هذه السياسات لم تُنتج استقراراً، بل عمّقت الأزمات، ورفعت منسوب التوتر، وأضعفت الثقة في المنظومة الدولية باعتبارها مرجعية عادلة .
إن أخطر ما في السياسات الأحادية أنها تفتح الباب أمام منطق السابقة . فعندما تتجاوز دولة كبرى أو حليفها الإقليمي القانون الدولي دون محاسبة، فإن ذلك يشجّع قوى أخرى على انتهاج السلوك نفسه. وهكذا يتحول النظام الدولي من منظومة قواعد إلى ساحة صراعات مفتوحة، تحكمها موازين القوة لا الشرعية . وهذا ما يهدد السلم والأمن الدوليين، ويُعيد العالم تدريجياً إلى مناخ الفوضى السياسية .
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى بلورة موقف دولي موحّد، لا يكتفي بإصدار بيانات القلق أو الإدانة الشكلية، بل يسعى إلى بناء جبهة سياسية وقانونية قادرة على كبح السياسات الأحادية وفرض احترام القواعد الدولية .
إن الصمت الدولي، أو الاكتفاء بالمواقف الرمزية، لا يعني الحياد، بل يُعد شكلًا من أشكال التواطؤ غير المباشر، لأنه يمنح هذه السياسات شرعية الأمر الواقع. ولا يمكن لهذا الموقف الدولي أن يتشكّل دون دور فاعل للقوى الكبرى الأخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، إضافة إلى الدول المتوسطة والصاعدة . فالتعددية القطبية، إن لم تُترجم إلى مواقف عملية، ستبقى مجرد توصيف نظري. المطلوب هو الانتقال من حالة التذمّر من الهيمنة الأحادية إلى حالة الفعل الجماعي المنظّم. كما أن للأمم المتحدة، رغم ما تعانيه من ضعف وتسييس، دورًا لا يمكن تجاهله . فإعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية يبدأ بإحياء دورها، لا بتجاوزها. إن تعطيل قرارات الشرعية الدولية، أو استخدام حق النقض لحماية سياسات أحادية، يُفرغ المنظمة الدولية من مضمونها، ويُحوّلها إلى منصة خطابية بلا تأثير فعلي .
في السياق الإقليمي، دفعت السياسات الأحادية التي انتهجها ترامب .. نتنياهو بالمنطقة إلى مزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار. فقد أضعفت فرص التسوية السياسية، وعززت منطق القوة، ودفعت أطرافاً عديدة إلى البحث عن وسائل ردع خارج الأطر القانونية. وهذا المسار لا يُنذر فقط بتفاقم الأزمات، بل يهدد باندلاع مواجهات أوسع يصعب احتواؤها . إن مواجهة هذا النهج لا تعني الدخول في صدام مفتوح، بل تستلزم استراتيجية دولية ذكية، تقوم على تفعيل أدوات القانون الدولي، والضغط الدبلوماسي، وبناء تحالفات عابرة للأيديولوجيات، أساسها احترام النظام الدولي لا الخضوع لإملاءات القوة . كما تتطلب دعم الشعوب التي تضررت من هذه السياسات، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، الذي كان ولا يزال الضحية الأبرز للقرارات الأحادية . إن بلورة موقف دولي موحّد ليست مهمة سهلة، لكنها ضرورة تاريخية. فالعالم اليوم أمام مفترق طرق .. إما القبول بمنطق القوة والفوضى المقنّعة، أو الدفاع عن نظام دولي أكثر توازناً وعدالة . والتجربة أثبتت أن السياسات الأحادية، مهما بدت ناجحة على المدى القصير، تُنتج أزمات أعمق على المدى البعيد .
خلاصة القول، إن مواجهة السياسات الأحادية التي جسدها نهج ترامب .. نتنياهو لا تتعلق بأشخاص بقدر ما تتعلق بنموذج سياسي خطير. نموذج إذا تُرك دون رد جماعي حازم، فإنه سيُعيد تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة والإقصاء. أما إذا وُوجه بموقف دولي موحّد، فإنه قد يُشكّل نقطة تحوّل نحو إعادة الاعتبار للشرعية الدولية، وحماية السلم العالمي، وصون حقوق الشعوب .


