أوراقٌ من ذاكرةِ المعسكر: عيدُ الجيش العراقي

أوراقٌ من ذاكرةِ المعسكر: عيدُ الجيش العراقي
ينتقد النص ظاهرة التعميم في الحكم على الجيش العراقي، مبيّناً أنه كان ضحية الاستبداد والحروب والتهميش. ويدعو إلى التمييز بين الجنود والقيادات، وإنصاف دور الجيش والحشد الشعبي كركيزتين لأمن العراق وكرامته الوطنية....

من أكثر القضايا التي تُعرِّض الإنسان للغبن والظلم قضيةُ (الإعمام)؛ وهي أن تُجعل الجزئيةُ السلبيةُ ظاهرةً عامة، فيُصبغ بها واقعُ الحياة: حياةُ الإنسان، أو حياةُ المؤسسة، أو حياةُ البلد.

ومن أبرز مصاديق هذه القضية الجيشُ العراقي؛ إذ قُدِّر له أن يعيش ظروفًا صعبةً وشائكة، ولا سيما إبّان النظام البائد. ولا يخفى على أي متابعٍ أن العراق، بتنوّعه الطائفي والعرقي، قد مورست عليه عمليات إقصاء وتهميش وتمييز وإبادة؛ تارةً كانت طائفيةً مذهبية، وتارةً أخرى عرقيةً عنصرية.

وفي كل الأحوال، لا بد من التفريق بين هيكلية الجيش العراقي (متنه وقوامه) وبين قياداته الرئيسة الكبيرة؛ فقوام الجيش هم أبناؤنا، أبناء العراق، وهم طبقةٌ مظلومةٌ عانت ما عانت من فقرٍ وحرمانٍ وتشريد، بسبب حروب النيابة التي زجّ النظام البائد العراق فيها: حربٌ طاحنة مع إيران، ثم حرب الخليج الأولى، ثم الثانية.

وفي كل ذلك كانت العسكرية إلزامية، وكانت بمثابة وحشٍ مترقّب لا يعرف سوى التهام الشباب! فقد عذّب مصطلح (الأفرارية) الأسرَ العراقية، فبات يطارد الآباءَ والأمهات؛ يُعدم الجندي إذا فرّ، متمرّداًوحزينا على عمرٍ التهمته ساحات الحروب وأصوات المدافع.

لقد أحرقت الجندية أيام العراقيين، ولا يوجد بيتٌ إلا ويتذكّر لحظة التحاق الأب أو الأخ، ولا يوجد شخصٌ لا يتذكّر التوابيت المحمولة على سياراتٍ تقف عند باب بيت المختار، ولا من لا يتذكّر (صمون الجيش) الذي لا يصلح حتى أن يكون علفا! ومن لا يتذكّر الريم والكراجات والسيطرات التي كانت تدقّق كتب النزول والإجازات؟

ومن يُنصف الجندي الذي يستجدي (كروة السيارة) كي يلتحق؟ الجندي الذي كان مخيّرا بين الموت بنسبة (100%) إن تراجع، والموت بنسبة (80%) إن نفّذ الأمر وبقي في المقدّمة؛ المقدّمة والسواتر المخصّصة لـ(علي، وحيدر، وعبد الزهرة، وعباس، وحسين، وكرّار…). فإذا رفض الحرب كانت فرق الإعدام خلفه تنتظره!

ومن يعوّض الأسرة التي أُرعبت بالتبليغ عن ابنها، وبالهجوم على بيتها، واضطرار الجندي إلى القفز من سطحٍ إلى سطح هرباً  من الموت والإعدام أمام منزله وأمام أهله؟! وهل سمعتم بجندي أكلت الحروب شبابه، ثم تُسقَّط جنسيته، ويُعدّ تبعيّةً بين ليلةٍ وضحاها؟!

فالنعيم، والجاه، والسلطة ليست للعامة؛ إنها للخاصة المنتقاة، وبغضّ النظر عن المعايير أو الأطر القانونية التي تؤهّلهم. ومع كل هذا، تحمّل الجيش ضريبة الإعمام، ونالوا منه بحججٍ كثيرة، منها حرب الكويت التي أحرقت جيشنا، وتركت جثث أولادنا لتبتلعها نيران الصحراء ولهيبها، ونيران الجوع والحرمان، ثم نيران رالأمريكية التي أبادتهم تماما  فيما يُسمّى بـ(مقبرة الدبابات وطريق الموت)، حيث تمت مهاجمة القوات المنسحبة وقتلهم بأبشع صورة، علی الرغم من أنهم منسحبون لا حول لهم ولا قوة.

ناهيك عن دفن آلاف الجنود وهم أحياء، وما زالت صور هذه المجزرة شاهدة. ثم أُسدل الستار على هذه الخسائر باتفاقية (نعم) اتفاقية خيمة صفوان.

وعلى الرغم من كل هذه الويلات، لن تسمع سوى لغة الإعمام والتسقيط؛ ولن تسمع قصة الجنود الذين أنقذوا فتاةً كويتيةً من رائدٍ متوحّش، فكان جزاؤهم الإعدام فورًا! ولن تسمع بقصة مجموعةٍ من الضباط الذين رفضوا دخول الكويت، فأُعدموا على الحدود، وابتلعت الأرض حكاياتهم.

ولن تسمع بقصة الجنود الذين يتضوّرون جوعا، ولا يمدّون أيديهم إلى الطعام حتى تأتي قصعة الطعام من البصرة، ولن تسمع بعذاباتهم تحت قصف الطائرات في شمال العراق، وهم يبحثون عن مكانٍ يحميهم ويجيرهم بين البيوت والقرى والجبال؛ فلا عودة إلى بغداد، وفرق الإعدام تنتظرهم، ولا طريق يخلّصهم من البرد الذي نخر عظامهم على الحدود، إلى أن تسلّمتهم الجمهورية الإسلامية، ليكونوا في الأسر عامين ونصف العام، ثم عادوا دفعاتٍ إلى العراق.

وأول كلمة سمعوها عند ركوبهم الباصات كانت: (هتلية… لحد يحچي) عادوا ليُحتجزوا، فيخرج منهم من يخرج، ويختفي منهم من يختفي.

الجيش العراقي الذي أحرقته نيران السلطة البعثية من جهة، وأحرقه الإعمام من جهةٍ أخرى، وحتى بعد سقوط الصنم بقي ضحيةً، كان بإمكان الأمريكان الإبقاء على هيكليته، ولا سيما أن قياداته كانت ستفرّ في الغالب لأنها مطلوبة وملاحَقة بتهمٍ كثيرة، لكنهم كانوا يدركون أنه مصدر قوةٍ للعراق، وبحلّه سيضعف العراق وتضعف منظومته الأمنية، وهذا ما حدث بالفعل.

وحتى بعد أن مكّننا الله من إعادة بنائه، تعرّض لشتى أنواع الأذى، وهُدرت دماء جنودنا الأبطال، وقُتلوا، وأُطلقت عليهم شتى التسميات: (الحرس الوثني، جيش المالكي، جيش الرافضة، الجيش الصفوي).

وبفضل الله تعالى، وبفضل المرجعية الرشيدة، تمكّنا من شدّ أزر جيشنا العراقي بأخٍ كريمٍ شجاع، هو الحـــشد الشــعبي؛ ولولاهما لكنّا ـ الآن ـ في جُبٍّ مظلمٍ ومستقبلٍ مجهول.

فكونوا منصفين، وتجنّبوا الإعمام والإساءة إلى الجيش، وحين تُنصفونه تذكّروا أن تُنصفوا الحشـــد، وتشكروا فضله؛ فالجيش والحشد جناحا العراق وهيبته.

عيدٌ مباركٌ يا أبا خليل؛ تلك الكنية التي اختزلت معاني الشجاعة والبطولة والصبر والصمود، حين ثبت الجيش العراقي وحقق الانتصارات، وانفرد بذلك عن سائر الجيوش العربية المشاركة في حرب 1948م في فلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *