ماذا بعد مادورو؟ وهل تُدير إيران “حزب الله” حقاً؟

ماذا بعد مادورو؟ وهل تُدير إيران "حزب الله" حقاً؟
يرى النص أن أزمة الشيعة في لبنان سياسية بالأساس، ناتجة عن غموض الإجابة السياسية لا الحرب. وينتقد فرضية تبعية حزب الله لإيران، داعيًا إلى بدائل واقعية واهتمام بالداخل الاجتماعي استعدادًا لتوازنات ما بعد 2026...

إن أعقد الأزمات التي تواجه الشيعة اليوم في لبنان والمنطقة، ليست نتاج الحرب وتداعياتها العسكرية، ولا هي نتيجة الاغتيالات أو الاختراقات الاستخباراتية المؤلمة؛ فكل هذه العوامل يمكن تفسيرها وتحليلها من وجهة نظر عسكرية تقارب الحقيقة. أما الأزمة الحقيقية، فتكمن في “الأجوبة الشيعية” على العملية السياسية؛ فطالما ظلت هذه الأجوبة غامضة ولم تتحول إلى رأي عام واضح وشارح للمشروع والوجهة، فإن الأزمة ستزداد تعمقاً، وربما تتحول إلى لعنة تطارد الوجود الشيعي عبر التاريخ.

وهنا يحضرني قول الإمام علي بن أبي طالب (ع): “والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر”، وهو ردّ بليغ فيه اعتراف عميق بالأسباب التي جعلت خصمه يكسب جولة سياسية بأساليب لا يقبلها الإمام. ففي السياسة، لا شيء يموت نهائياً، كما لا يمكن إحياء شيء يحمل “بصمة فناء” سياسية معينة، والدليل اننا ما نردد مقولة الامام علي (ع).

من هنا، أخاطب اللبنانيين عامة، والولايات المتحدة خاصة، من منطلق فهم البيئة الشيعية لا “حزب الله” كحزب فقط: إذا كانت النخب اللبنانية ومن خلفها واشنطن، تعتقد جازمة بأن إيران هي التي تدير الحزب وتتحكم بقراره، فلماذا تطالبون “حزب الله” بما لا يملك؟ اذهبوا وتفاوضوا مع الإيرانيين مباشرة، واطلبوا منهم شروطكم، وبذلك توفرون على المنطقة المزيد من الأزمات.

أما إذا كنتم تطالبون الحزب بـ “اللبننة” والانفصال عن إيران وتسليم السلاح تحت الضغط فقط، فهذا يعني أنكم تريدون “إلغاء” الشيعة لا إصلاح المسار. ففي منطق البراغماتية السياسية، إذا أردتم فك ارتباط جهة ما بدولة أخرى، فعليكم تقديم “البديل” الجاذب من مكاسب سياسية ودعم مادي وضمانات وجودية، وهو أمر لم يحدث. الحقيقة أنكم لا تريدون إنقاذ الشيعة، بل تسعون لإضعافهم وزجهم في خلافات “شيعية-شيعية” داخلية واقليمية، تحرمهم حتى من الحد الأدنى من الدعم اللوجستي، ليس السلاح، انما المواد الغذائية والطبية والحياتية التي تقدم هبات تساعد الشيعة على تجاوز ازماتهم.

أنا على يقين بأن إيران لا تُحرّك حزب الله كأداة، ولدينا شواهد دامغة:

أولاً: قيل سابقاً إن دمشق هي من يدير الحزب، ليتبين لاحقاً أن سوريا بأكملها كانت تستند إلى قوة الحزب وتستفيد من حضوره الميداني. وما عزز الوهم السابق هو تراجع الحزب إعلامياً وسياسياً لأن أولوياته كانت أكبر من لبنان، فتقدمت الوجوه السورية لتتحدث في السياسة، مما أوحى بأن القرار في دمشق.

ثانياً: فيما يخص العلاقة مع طهران؛ لقد كشفت المتغيرات الجذرية في المنطقة أن السيد نصر الله لم يكن مجرد “جندي” كما يصف نفسه بتواضع ديني (ولائي)، بل كان القائد الفعلي للأمة الشيعية، والرجل الذي يرسم حدود السياسة الإيرانية في العالم العربي. والدليل الأكبر أنه بعد استشهاده، شعرت طهران بانكشاف أمنها القومي المباشر، وأصبح هاجس الاغتيالات يطارد قياداتها العليا وقد تعرض السيد خامنئي نفسه للاغتيال مما يعني أن “نصر الله” هو من كان يحمي إيران ويرفع كلفة الاعتداء عليها، وليس العكس.

أما مقولة “سلاحنا ومالنا من إيران”، فهي جملة سياسية ذكية وُجهت للداخل اللبناني. فالأمريكي الذي يعرف كم دولار في جيب كل واحد منا، يعلم يقيناً مصدر تمويل الحزب، لكنه كان يخفي هذه الحقيقة لإلباس الحزب تهمة “الفساد” أو “تجارة المخدرات” لتمويل نفسه على حساب الدولة، فخرج السيد نصر الله ليقطع الطريق على هذا التضليل ويوضح المصدر بجرأة.

كما هناك الشاهد والدليل الاصدق، فلا ايران قصفت اسرائيل من اجل حزب الله حتى بعد اغتيال السيد نصرالله، ولا حزب الله اطلق رصاصة عندما كانت اسرائيل وامريكا يهاجمان ايران.

وهنا أسأل: هل يعني التمويل بالضرورة التحكم بالقرار؟ هل يقبل العقل الماروني اللبناني، بذكائه الحاد وعمقه الفلسفي، أن يُقال إن استقلال لبنان كان مجرد “سيناريو فرنسي” لأن فرنسا دعمت الوجود الماروني؟ أو أن “اليمين المسيحي” كان دمية لأن إسرائيل دعمته في حقبة ما؟ طبعاً لا، فالكرامة الوطنية والوجدان الفكري يرفضان ذلك. وبنفس المنطق، فإن حزب الله الذي استفاد من دعم إيران، هو من قرر ورسم استراتيجياته؛ فدخوله معركة “إسناد غزة” تم دون تنسيق مسبق مع طهران، ودخوله سوريا سبق التدخل الإيراني والروسي.

أما انشغال “منظري” محور المقاومة بأزمات فنزويلا و”مادورو” وصولا الى القطب الجنوبي، فهو يذكرني بالمثل: “العرس في الصين والدبكة في لبنان”. هذا الضجيج الإعلامي هو محاولة من هؤلاء المنظرين لإثبات عبقريتهم واهميتهم في السياسة الدولية والعلوم الذرية، بينما هم عاجزون عن قراءة واقعهم المباشر.

دعونا نهتم بتفاصيل حياتنا التي اصبحت اكبر من العالم ودورنا ومستقبلنا. كم نتمنى على الإعلام الشيعي أن يسلط الضوء على الأزمات الاجتماعية، على “حفرة” في الطريق تحتاج إصلاحاً. التدخل في كل شاردة وواردة عالمية ونحن عاجزون عن تأمين أبسط مقومات العيش، أو حتى زيارة الجنوب وسوريا بسهولة، أصبح مدعاة للتندر. العالم يتغير، ولا يجوز أن تظل هذه العقلية.

الخاتمة:

كما أخبرتكم في أيلول 2025، فإن أمام لبنان مهلة حتى منتصف عام 2026 لتتبلور التوازنات الجديدة. ورغم إصرار البعض على قرع طبول الحرب مع كل اتصال هاتف وكل اجتماع لوزراء العدو، بينما المؤشرات تذهب باتجاه آخر.

لقد قالها وزير دفاع الكيان الإسرائيلي: “الملف مع حزب الله قابل للحل دبلوماسياً”، وأكد المبعوثون الأمريكيون أن نزع السلاح ليس هو المطلوب. وغداً ستسمعون هذا الكلام من نتنياهو وترامب: “لا حرب واسعة”.

السؤال الحقيقي ليس “متى تقع الحرب؟”، بل ماذا أعددنا لهذا اليوم وما بعده؟ حين تسكت المدافع ويبدأ بناء “شرق أوسط جديد”.. أين سنكون نحن فيه، وكيف سنحجز مكاننا في صياغة المستقبل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *