كان لعلماء الامامية بعد غيبة الامام الثاني عشر الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف بصمة خاصة في رعاية العتبات المقدسة في العراق في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء حينما حتى كانت من أولوياتهم ، ولا سيما علماء القرون الثلاث المتأخرة التي ثنيت لهم الوسادة بدأ من السيد مهدي بحر العلوم ت 1212هـ الذي كان له الفضل في تحديد وتثبيت المقامات والاضرحة المندرسة في مدن العتبات المقدسة ولاسيما النجف ([1]).
وكذلك ما كان من زميله في الدرس الشيخ الاكبر جعفر كاشف الغطاء ت 1228هـ خلال مرجعيته التي امتدت قرابة 15 عاما في الدفاع عن مرقد الامام علي عليه السلام من الغزوات الوهابية والحفاظ على الخزانة العلوية ومقتنياتها الثمينة ونقبها وبمساعدة والي بغداد الى الكاظمية ، بعدما استبيح قبر الامام الحسين عام 1216 وقت قرابة خمسة اللاف انسان وسرقت محتويات الضريح الحسيني المقدس وقلع الذهب الذي عليه ، والسعي لبناء سور كبير يحيط بالنجف وكربلاء ويمنع الغزوات عليها بدعم من سلطان ايران فتحعلي شاه وفعلا تم ذلك واكمل البناء في ايام ولده الشيخ موسى كاشف الغطاء([2]).
كانت الشواهد كثيرعلى اهتمام اكابر علماء الامامية بشؤون العتبات المفدسة ، وان كان بعض المراجع قد كانت لهم خدمات شاخصة للعيان اكثر من غيرهم مع توفر المال والوقت والظروف امثال الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر ت1263 هـ اذ حاول ايصال الماء للنجف وزوار العتبات وكانت له عمارات منه أو بواسطته لاصحاب السلطة والنفوذ للعتبات المقدسة واضرحة ذويهم ([3]).، ثم ما كان للجهود الكبيرة للسيد المجدد الشيرازي ت 1296هـ من انتقاله من النجف واستيطانه في سامراء وفي الاسهام والمتابعة في عمارة العتبة العسكرية وتنظيم امورها وتأسيس حوزة علمية فيها وذلك بمعية الشيخ عبد الحسين الطهراني ت 1286هـ الموكل من قبل ناصر الدين شاه لأجل هذا الامر([4])..
المرجعية الدينية و العتبات المقدسة خلال القرن المنصرم
إستمر هذا الحال من التعاهد للعتبات المقدسة في العراق من قبل علماء الطائفة مطلع خلال القرن الرابع عشر الهجري ــ القرن العشرين الميلادي حيث لاحظنا المور قد تغيرت بهد اعلان الدولة العراقية الحديثة عام 1921ايام العهد الملكي وانشاء ديوان الاوقاف واصبحت ادارة العتبات والانفاق عليها من خزينة الدولة واصبحت الحكومات الطائفية المتعاقبة في العهدين الملكي والجمهوري شيئا فشيئا تحاول سحب سلطة الاشراف من المراجع الشيعة على العتبات المقدسة
وان كانت حقبة عبد الكريم قاسم ( 1958 ــ 1963) اخف وطئة بسبب قوة مرجعية السيد محسن الحكيم قدس سره وسعيه الحثيث والدؤوب بمواصلة الاهتمام بالعتبات حيث وثقت المصادر قيام السيد الحطيم بالسعي لتغيير الشبابيك المقدسة للاضرحة في كربلاء والنجف ([5]) ، وفتح المجال لزيارة العتبات من قبل الطوائف والملل الاسلامية وغير الاسلامية وذلك بعد فتواه المشهورة بطهارة الكتابي والذمي ([6])، مما جعل هنالك تنوع حقيقي لزوار العتبات واستمر علماؤنا بعد السيد الحكيم على هذه الفتوى ولم ينقضوها او يعدلوا عنها .
بعد وصل زبانية البعث الى السلطة عام 1968 وحتى سقوطهم عام 2003 بدأت حقبة مؤلمة وقاسية على العتبات المقدسة في العراق وتزامن ذلك مع مرجعية السيد الخوئي 1970 ــ 1992، وعقدا من مرجعية السيد السيستاني ، حيث تحولت العتبات المقدسة الى ثكنات لضباط الامن وجلاوزة السلطة واماكن لرصد المعارضين لسياسة البعض واعتقالهم بل وحتى اوجدوا فيها غرف للتعذيب والاستجواب بعدما اصرت المواكب الحسينية على الاستمرار باقامة الشعائر والمأتم الحسينية في ايام محرم وصفر وتاكيد علماء الطائفة على ضرورة الاستمرار بها وعدم تركها حتى كانت انتفاضة صفر المباركة عام 1977حيث كان للسيد الشهيد اية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر الدور البارز في التخطيط لها والتشجيع عليها ولكنها جوبهت برد عنيف من السلطة واعدم العشرات من الزوار واصحاب المواكب واعتقل المئات منهم ([7]).
العتبات المقدسة في ايام المقبور صدام حسين
واستمر هذا الحال بعد مجيء صدام حسين وتوليه السلطة الفعلية عام 1979 لتبدأ مرحلة جديدة في التعامل مع العتبات المقدسة حتى وصلت الاستهانة بها ان قصفت بالطائرات والصواريخ وضربت بالمدفعية والدبابات وقتل كل من وجد فيها من الناس ، واصبحت ثكنات عسكرية للجيش ايام الانتفاضة الشعبانية عام 1991([8]).
امام تلك السنوات العجاف التي مرت على العتبات المقدسة والتقييد المتعمد لنشاط المرجعية الدينية العليا وسلب صلاحياتها والمهام الموكلة اليها في الشرع الحنيف ولد حالة من عدم الارتياح لدى الناس فتحولت العتبات الى اماكن للزيارة فقط والزيارة المقيدة والفارغة من الطقوس والشعائر ولاسيما في وفيات المعصومين وولاداتهم ، وتحجيم ومنع أي نشاط فكري يخرج من العتبة وعين على سدنتها اشخاص كانو بمثابة اعين للسلطة الداخل والخارج لهذه العتبات والدعاء المستمر للحكومة وصدام حسين واعماله وبطولاته الوهمية ، حتى لم نجد أي مشروع نهضوي او توسعة للعتبات جرت في تلك الايام مع العلم انها كانت تدر اموال ضخمة من الوقفيات والهبات والنذور ولكن تذهب الى خزينة الدولة ومصادرتها ، بل والادهى من ذلك ان قام بعض افراد تلك السلطة بسرقة العديد من المحتويات الثمينة لهدايا العتبات .
مع تلك الممارسات التعسفية التي مارستها السلطة البعثية والتي وصلت حدا في اجرامها انف الذكر الى اعتقال السيد ابو القاسم الخوئي وجمع غفير من تلامذته الكبار وبضمنهم السيد السيستاني والشهيدين الشيخ الغروي والبروجردي رحمهم الله بعد قمع الانتفاضة الشعبانية وارسالهم الى بغداد ليرى صدام ماذا يفعل بهم ولولا الضغوط الاحتجاجات والاستنكارات التي عمت ارجاء العالم لقام باعدامهم جميعا فأجبر على ارجاعهم الى النجف ([9]).
توفي السيد الخوئي في ايلول عام 1992 ليأتي بعده السيد عبد الاعلى السبزواري (قدس سره) الى مقام المرجعية العليا ولكنه لم يستمر طويلا ليكون له ذلك التاثير الفاعل والمؤثر على مجمل الامور ومنها العتبات المقدسة ليتوفى بعد اقل من سنة على وفاة السيد الخوئي في اب 1993 . لتنثني الوسادة بعدها للسيد علي السيستاني (دام ظله )منذ هذا التاريخ والى الوقت الحاضر ادام الله ظله الشريف .
تولي السيد السيستاني المرجعية العليا في النجف
عاصر السيد السيستاني العقد الأخير من ايام النظام السابق ، وهذا العقد قد حصلت فيه متغيرات كثيرة بعيد وصول السيد الى مقام المرجعية حيث شهدت النجف ولاول مرة حملة مسعورة في تدبير المؤامرات لاغتيال كبار المراجع ورجال الدين في النجف وفعلا ابتدأت هذه المؤامرات في اغتيال السيد محمد تقي نجل السيد الخوئي في تموز 1994 ثم ليعقبها التخطيط لاغتيال السيد السيستاني نفسه بعد عامين من التاريخ انف الذكر في نوفمبر من عام 1996 بواسطة كاتم للصوت حيث كانت هذه رسالة واضحة من السلطة بتحجيم السيد ونشاطه العلمي حتى اغلق مكتبه وحلقات الدرس فيه اثر ذلك ، فبالنتيجة تشكل هذه السلوكيات المشينة والدموية من قبل السلطة الحاكمة في بغداد الى تقليص المرجع لعمله وواجباته الى اقصى حدود ، ولتستمر مؤامرات الاغتيال هذه لتطال كل من الشهيدين الشيخ علي الغروي في حزيران عام 1998وبعده بشهرين الشيخ مرتضى البروجردي في اب من نفس السنة ، ولتكمل هذه المؤامرة باغتيال السيد الشهيد محمد محمد صادق الصادر بعد ستة اشهر من اغتيال الشيخ الغروي في شباط 1999 .
حيث كان للسيد محمد صادق الصدر مشروع كبير في اعادة تنظيم العتبات وتحويل مواردها الى خدمات ومراكز تثقفية والسعي لأخذ توليتها من السدنة التي تعاقبوا عليها وطرد العناصر التي حولتها الى وسيلة للكسب المالي والارتزاق والاستجداء من الزوار ، ولكن هذا المشروع اقبر و لم يرى النور بشهادة السيد الصدر، بل وحتى قام السادن الاخير للعتبة العلوية في ايام الصدر الاخيرة بسحب سجادة الصلاة من تحت ارجله بعدما صرح بهذا الامر .
ظلت السنوات الاربع التي تلت استشهاد السيد تتأرجح العتبة العلوية وباقي العتبات على حالها لدرجة خفت فيها مراسم صلاة الجماعة بعدما كان اكثر من اربع من مراجع التقليد يصلون فيها صلاة الصبح وهم كل من السيد الصدر والشيخين الغروي والبروجردي والسيد محمد سعيد الحكيم رحمهم الله لتقتصر على صلاة واحدة او اثنتين من ابناء بعض المراجع وغياب ملحوظ للسيد السيستاني ووكلاءه من الصلاة في الحرم العلوي وكذلك باقي العتبات باستثناء العتبة الكاظمية التي ظل فيها السيد حسين الصدر وذلك لعلاقته الحذرة بالسلطة والتي لم يرد الاصطدام بها.
حاول النظام في ايامه الاخيرة التقرب من المراجع بعد تيقنه بالتخطيط لازاحته من السلطة من قبل الولايات المتحدة فحاول انذاك الضغط على مراجع الدين لإعلان استنكارهم من هذه التحركات الدولية ، وفعلا لم تتخلى المرجعية عن واجبها في الحفاظ على امن الوطن من الطامعين وقت تخلت فيه السلطة عن واجباتها ازاءها فكان اللقاء التاريخي على قناة الجزيرة للمرحوم اية الله السيد محمد مهدي الخرسان لسانا ناطقا عما يجول في اذهان مراجع الدين عما يحاك ويخطط لهذا البلد في الخارج والاطماع الدولية عليه ، ولكن جرى ما جرى ولتنتهي حقبة البعث غير مأسوف عليها في نيسان 2003 لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ هذا البلد ولتعود ادارة العتبات تحت تصرفها لينضم لها قانون خاص في دستور الدولة وتشكل ادارات تحت نظرها ولتأخذ منعطف كبيرا في التطور والنهوض .
([1]) محمد صادق بحر العلوم ، مقدمة تحقيق القوائد الرجالية للسيد بحر العلوم 1/95 .
([2]) حرز الدين ، محمد حسين ، تاريخ النجف الاشرف 2/ 297.
([3]) حرز الدين ، محمد ، معارف الرجال 2/ 228.
([4]) المحلاتي ، ذبيح الله ، مأثر الكبراء في تاريخ سامراء 3/ 133.
([5]) الفتلاوي ، كاظم عبود ، المنتخب من اعلام الفكر والادب : 392.
([6]) الحكيم ، محسن ، مستمسك العروة الوثقى 1/ 284.
([7]) الخرسان ، رعد ، انتفاضة صفر 1977 : 44 .
([8]) تبرئيان ، صفاء الدين ، الانتفاضة الشعبانية عام 1991 : 322.


