لا نُحيي الغياب بقدر ما نُجدّد الحضور؛ فالشهادة، حين تكون دفاعًا عن الكرامة والإنسان والأرض، تتحوّل من فعل فداء إلى قوّة تاريخية تصنع الوعي، وتعيد ترتيب موازين الصراع، وتمنح الشعوب قدرةً متجددة على الصمود واستعادة زمام المستقبل.
في ذكرى استشهاد قادة النصر، الشهيد القائد أبو مهدي المهندس، والشهيد القائد الكبير قاسم سليماني، ضيف العراق العزيز (رضوان الله تعالى عليهم)، نستحضر لحظةً مفصلية من تاريخ العراق والمنطقة، حين وقفوا في الصفوف الأولى بوجه تنظيم داعش الإرهابي، يوم قلّ الناصر والمعين، وتكالبت قوى الشر على أرض العراق. لم يكونوا قادة معارك فحسب، بل كانوا مهندسي وعيٍ، وصنّاع مشروع مقاومةٍ أنقذ الدولة وحمى المجتمع والهوية.
لقد شكّل حضورهم في ساحات القتال منعطفًا حاسمًا في معركة الوجود. ففي الوقت الذي تمدّد فيه الإرهاب وهدّد كيان الدولة وأمن المجتمع، أعادوا بصلابتهم، وبقراءتهم العميقة لطبيعة الخطر، بناء ميزان القوة. تحوّلت الهزيمة المتوقعة إلى نصرٍ متحقّق، ولم يكن ذلك انتصارًا عسكريًا فقط، بل انتصارًا للإرادة الوطنية، ولقدرة الدولة والمجتمع على التماسك في مواجهة مشاريع التفكيك والفوضى. وقد أفرز وجودهم قوةً عقائدية راسخة، كانت الأساس في تحقيق النصر، وأصبحت الحامية لأركان الدولة وسيادتها.
لم يكونوا مجرّد قادة ميدان، بل قادة معنى ومسؤولية. احتضنوا المقاتلين، وبثّوا الطمأنينة في نفوس المستضعفين في أكثر اللحظات قسوة. علّموا أن مواجهة الإرهاب لا تُدار بالانفعال، بل بالحكمة والتنظيم ووحدة القرار، والإيمان العميق بعدالة القضية. ومن خلال هذا الفهم، سقطت أوهام داعش، وتهاوت معها أسطورة الإرهاب الذي لا يُهزم.
لقد كان وجود الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني في المعركة عنصر أمانٍ ونجاحٍ حاسم، وأثبتت التجربة أن وحدة المصير هي الطريق الأصدق لتحقيق النصر. وكان موقفه، و موقف الجمهورية الإسلامية التي قدّمت الدعم والمساندة، نموذجًا ثابتًا يجب أن يبقى شاخصًا أمام الجميع ويدرّس للأجيال القادمة لنحفظ من ساندنا ووقف معنا في أوقات الشدّة والمحنه.
لقد اثبت الشهيدان القائدان أن النصر يولد حين تتكامل البنادق مع الوعي، وحين تتحوّل التضحية إلى مشروع وطني جامع. فبدمائهم رُسمت حدود الكرامة، وبثباتهم انكسرت شوكة الإرهاب، واستعاد العراق أمنه واستقراره وسيادته.
لقد أعادت الشهادة الاعتبار لثقافة المواجهة الواعية بوصفها خيارًا استراتيجيًا يحمي الأوطان، لا نزعة عاطفية عابرة. مواجهة تبني الدولة، وتحصّن المجتمع، وتمنع عودة الإرهاب بأشكاله المختلفة. أما ثقافة التنازل أمام التطرف، فقد أثبتت التجارب أنها لا تجلب إلا المزيد من الخسائر، ولن تجد لها موطئ قدم ما دام أصحاب العقيدة الثابتة والصادقة متواجدين على امتداد الأرض.
سلامٌ على الشهداء القادة، الحاج القائد أبو مهدي المهندس، والحاج القائد قاسم سليماني (رضوان الله تعالى عليهم)، الذين واجهوا داعش بثبات العقل وشجاعة القلب، فصنعوا نصرًا سيبقى علامةً فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومنارةً تهدي الأجيال القادمة في معارك الدفاع عن الحق، والإنسان، والدين، والمقدسات.


