رئيس الوزراء العراقي قاب قوسين او ادنى

رئيس الوزراء العراقي قاب قوسين او ادنى
يناقش النص اقتراب حسم اختيار رئيس الوزراء العراقي بوصفه استحقاقاً مصيرياً يتجاوز الإجراء الدستوري، مؤكداً أن النجاح مرهون بشخصية توافقيّة ذات شرعية برلمانية، كفاءة تنفيذية، وحس وطني قادر على تحقيق الاستقرار وبناء ثقة الشارع....

من الحسم يبدو أن العراق يقف اليوم على عتبة مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز هو ملف اختيار رئيس الوزراء ، ذلك الموقع الذي لا يمثل مجرد منصب إداري أو واجهة تنفيذية، بل يشكّل عقدة التوازن بين القوى السياسية، ومفتاح الاستقرار أو الانقسام في اللحظة العراقية الحساسة. فكل دورة سياسية في العراق تكشف أن عملية اختيار رئيس الوزراء ليست حدثاً عابراً ، بل معركة معقّدة تتداخل فيها الحسابات الحزبية والإقليمية والدولية، وتتصارع داخلها المصالح والاتجاهات والرؤى حول مستقبل الدولة .

من الناحية الدستورية، الطريق واضح .. مرشح الكتلة الأكبر، توافق برلماني، تكليف رسمي، ثم برنامج حكومي يحمل وعوداً بالأمن والخدمات والإصلاح .

لكن الواقع السياسي العراقي لطالما كان أعقد من نصوص الدستور ، فالتجاذبات بين القوى المتنافسة، والمساومات بين التيارات المختلفة، وضغوط الشارع، وتداخل التوازنات الإقليمية، تجعل من ولادة رئيس الوزراء حدثاً شاقاً ، أقرب إلى تسوية تاريخية منه إلى إجراء بروتوكولي . اليوم، مع اقتراب لحظة الحسم، تتكثف اللقاءات، وتتبدّل الخطابات، وتتصاعد لغة التطمينات في العلن بينما تجري معارك حقيقية خلف الكواليس .

بعض القوى السياسية تسعى إلى فرض مرشح قوي يضمن نفوذها داخل الدولة ويطمئن جمهورها، بينما ترى قوى أخرى أن المرحلة تتطلب شخصية توافقية هادئة، قادرة على امتصاص الاحتقان وفتح قنوات الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين العراق ومحيطه الإقليمي والدولي . في المقابل، الشارع العراقي يقف مترقباً، لكنه هذه المرة أكثر حذراً وأقل ثقة. المواطن العراقي لم يعد يلتفت كثيراً إلى الشعارات ولا إلى الوعود الفضفاضة. ما يهمه هو نتيجة ملموسة .. دولة قادرة على فرض النظام، مكافحة الفساد، تحسين الاقتصاد، وتوفير الخدمات، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية ومعيشية متراكمة، وتحديات أمنية لا تزال تطل بوجهها بين حين وآخر. لذلك فإن رئيس الوزراء القادم لن يُحاسَب على خلفيته السياسية بقدر ما سيُحاسَب على قدرته على الإنجاز . من جهة أخرى، القوى السياسية نفسها تبدو واعية أن أي خيار غير مدروس سيولّد أزمة جديدة بدل أن يحلّها.

التجربة العراقية السابقة أثبتت أن أي رئيس وزراء يأتي دون غطاء وطني واسع، أو دون برنامج واضح، أو دون قدرة على إدارة التناقضات، سرعان ما يجد نفسه غارقًا في الصراعات، أو محاصرًا بالغضب الشعبي، أو مكبّلًا بتوازنات لا تسمح له بإحداث تغيير حقيقي. لذلك، الحديث اليوم لا يدور فقط حول من يكون رئيس الوزراء؟ ، بل حول أي نموذج لرئيس الوزراء يحتاجه العراق في هذه المرحلة؟. المعادلة المعقّدة تفرض وجود شخصية تمتلك ثلاث صفات أساسية .. أولاً ، شرعية سياسية واضحة تنطلق من توافق برلماني حقيقي لا يقوم على المجاملات وإنما على تفاهمات واضحة وضمانات متبادلة .

ثانياً ، قدرة تنفيذية وإدارية تتيح له إدارة الدولة بمهنية وتوازن، بعيدًا عن المحاصصة الضيقة التي عطلت الدولة لسنوات . ثالثاً ، حس وطني عالٍ يجعله قادرًا على الاستماع إلى الشارع وليس فقط إلى القوى السياسية، وعلى التعامل مع القوى الإقليمية والدولية دون التفريط بسيادة العراق أو مصالحه . ومع أن المشهد يبدو قريبًا من الحسم، إلا أن الدقائق الأخيرة في السياسة العراقية غالبًا ما تكون الأكثر حساسية . فقد نشهد تسويات نهائية، أو توافقات اضطرارية، أو حتى مفاجآت سياسية غير متوقعة. لكن المؤكد أن أي قوة سياسية تدرك اليوم أن العراق تعب من الدوران في الحلقة نفسها، وأن أي محاولة لإعادة إنتاج الأزمات السابقة ستدفع البلاد نحو مزيد من الاحتقان وربما الاضطراب .

في المقابل، هناك فرصة حقيقية إن أحسن الجميع استثمارها لإعادة ترتيب الدولة وبناء ثقة جديدة بين المواطن والدولة.د . رئيس الوزراء القادم إذا ما حظي بدعم سياسي مسؤول، وببرنامج قابل للتنفيذ، وبفريق حكومي مهني، يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل في مسار الدولة العراقية، خاصة إذا تعامل بجدية مع ملفات الإصلاح الإداري، مكافحة الفساد، إعادة هيبة الدولة، وتنشيط الاقتصاد والاستثمار، فضلًا عن تعزيز العلاقات الخارجية على أساس المصالح الوطنية المتوازنة.

العراق ليس دولة عابرة ولا حالة مؤقتة. هو بلد يمتلك عمقًا حضاريًا وإنسانيًا، وإمكانات اقتصادية هائلة، وشعبًا يمتلك طاقة صبر ووعي عالية. ما يحتاجه فقط هو إدارة رشيدة وشجاعة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق حسابات الأشخاص والتيارات . لذلك فإن اختيار رئيس الوزراء اليوم ليس اختيار شخص فقط، بل اختيار اتجاه، منهج، ومستقبل . وفي النهاية، إذا كان المشهد السياسي يقول إن ولادة رئيس الوزراء الجديد قاب قوسين أو أدنى، فإن المطلوب أن تكون هذه الولادة بداية مرحلة استقرار لا شرارة أزمة جديدة. المطلوب أن يكون رئيس الوزراء القادم رجل دولة لا رجل مرحلة، مشروع بناء لا مشروع سلطة، عنوانًا للتوازن لا سببًا للانقسام. عندها فقط يمكن للعراقيين أن يشعروا بأن البلاد تسير أخيرًا في الطريق الصحيح، وأن السياسة أصبحت وسيلة لخدمة الشعب، لا ساحة صراع على حسابه ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *