غرب اسيا… المشكلات القائمة واحتمالية الاشتعال الإقليمي

غرب اسيا... المشكلات القائمة واحتمالية الاشتعال الإقليمي
تشهد المنطقة سيولة أمنية مرتفعة بعد 7 أكتوبر، مع ترجيح التصعيد الموزّع لا الحرب الشاملة. العراق مفتاح توازن محتمل إذا تحوّل إلى جسر تهدئة، فيما يتطلب استقرار لبنان وسوريا ترتيبات أمنية بضمانات وحوافز اقتصادية ملموسة...

أعرف أن هذا الملف يثقل القلب والعقل معاً لكن العمق هنا ليس للتهويل، بل لفهم أسباب التوتر وبناء مسارات واقعية للتقارب وخفض المخاطر، سأقدم هنا تحليلاً موجزاً يوازن بين المشهد الكبير وتفاصيله المحلية، واقترح فيه سيناريوهات قابلة للتعامل على المدى القريب.

المشهد الإقليمي العام حدث فيه تحول هيكلية البيئة الأمنية إذ منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تلاها، تغيّرت قواعد التوازن التقليدي؛ وتشابك أطراف دولية وإقليمية، وتنافس على فرض وقائع جديدة بين (إسرائيل) وإيران، مع إعادة تموضع أمريكي لإعادة ترتيب الأوراق وبناء توازنات تخدم مصالحها الاستراتيجية، ما عمّق سيولة البيئة الاستراتيجية وعدم اليقين.

يمكن أن نتحدث عن مجموعة من السرديات المتعارضة لتغيير وجه المنطقة كـ(خطاب تراجع النفوذ الإيراني) الذي يتقاطع مع مساعٍ لإعادة رسم الترتيبات في سوريا ولبنان وغزة، لكنه يظل جزئياً ومحلّ نزاع؛ (إسرائيل) تعلن أنها غيّرت وجه المنطقة، فيما تتجدّد ممانعات محور الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر قوس أمني يمتد من العراق إلى لبنان وغزة.

أما النافذة الأمريكية لصفحات جديدة فبعض الأطراف الأمريكية تطرح أن المواجهة الإيرانية–(الإسرائيلية) يمكن أن تفتح طريقاً جديداً في غرب اسيا، بتسويات تشمل كلا من سوريا ولبنان، ما يعكس رغبة واشنطن في هندسة مسارات تهدئة مرتبطة بأولوياتها وتحالفاتها الإقليمية ولو بشكل دعائي في الأقل.

احتمالية الحرب بين إيران وإسرائيل

المدى القصير (حرب مباشرة واسعة): الاحتمال قائم لكنه ليس الراجح؛ الطرفان يديران حرباً بين الحروب عبر ساحات وسيطة ووكلاء لتفادي كلفة مواجهة شاملة خارج حسابات التحكم، بالرغم من الإعلان المستمر من الطرفين عن الجهوزية الاستعداد التام للمعركة الكبرى مع ذلك، كل جولة تصعيد في غزة ولبنان أو استهداف نوعي في سوريا أو البحر يرفع مخاطر سوء التقدير.

المدى المتوسط (تصعيد متعدد الساحات): المرجّح استمرار اشتباك موزّع بين ضربات في سوريا، احتكاك بحري، هجمات سيبرانية، وضغط متبادل عبر لبنان وغزة والعراق؛ هذا النموذج يمنح الأطراف قدرة على الرسائل دون تجاوز العتبة الاستراتيجية للحرب الشاملة.

المدى الطويل (تشكيل ترتيبات جديدة): إذا نجحت مقاربات أمريكية/تركية/عربية لصفقات تهدئة أو مسارات تطبيع مشروط، فقد تُبنى ترتيبات أمنية تخفف زخم المواجهة المباشرة، خاصة إذا اقترنت بضمانات في سوريا ولبنان وحدود الجبهات.

العراق: هشاشة داخلية وتقاطع نفوذ

الهشاشة المركّبة: موقع العراق المحوري وموارده وتركيبته السياسية تجعله ساحة تنافس إقليمي–دولي؛ منذ 2003 يعاني تحوّلات عميقة انعكست على مؤسسات الدولة ومسار السياسة الأمريكية، مع ضغط نفوذ تركي–خليجي متقاطع في بعض الحالات ومنسجم في أخرى.

معادلة الصراع/الدولة يبقى السؤال جوهرياً: كيف يتحول العراق من ساحة صراع إلى مؤثر مستقر؟ الإجابة تمرّ عبر الإصلاحات مؤسسية، وتحييد ساحات الصراع بالوكالة ومن ثم إعادة هندسة علاقة بغداد بمحاور النفوذ على قاعدة المصالح الوطنية العراقية الاستراتيجية الواقعية.

نافذة الفرص: رغم الانقسام السياسي والاقتصادي، يمتلك العراق قدرة على تأدية دور (جسر تهدئة) إذا نسّق أمن حدوده وأدار ملف الجماعات المسلحة ضمن مسار وطني، واستثمر علاقاته العربية–التركية–الإيرانية لإطلاق مسارات اقتصادية–أمنية تقيه الارتدادات.

لبنان: بين توازن الردع وضغط الانهيار

توازن هشّ على الحدود: الاشتباك المستمر بين إسرائيل وحزب الله محكوم بقواعد ضبط، لكن كل تغيير في غزة أو سوريا يعيد تعريف خطوط الاشتباك ويفتح احتمالات رفع السقف التكتيكي؛ التضخم الاقتصادي والاهتزاز المؤسسي يفاقمان حساسية الداخل أمام أي تصعيد.

نافذة تسوية مشروطة: طروحات أمريكية تربط تهدئة لبنان بسياق أوسع لتفاهمات مع إسرائيل، ما يعني اقتران الأمن الحدودي بصفقة سياسية–اقتصادية؛ لكن نجاحها يتوقف على حزم ضمانات تشمل سوريا ومصالح إيران وحزب الله في توازن الردع.

سوريا: مسرح الضربات وإعادة الهندسة

تراجع نفوذ/إعادة انتشار: الحديث عن تراجع نفوذ إيران في سوريا يترافق مع استمرار ضربات (إسرائيلية) تستهدف البنية اللوجستية والعسكرية للمحور، دون حسم؛ أما الروس يعيدون معايرة حضورهم، والأمريكيون يضغطون عبر العقوبات والانتشار المحدود شرقًا.

إمكانية ترتيبات أمنية: أطراف أمريكية تلمّح لإمكان عقد تفاهمات تُقايض ملف الأمن (الإسرائيلي) بصفقات سياسية في سوريا؛ واقعية التنفيذ مرهونة بتوازنات موسكو–طهران–أنقرة، وبأثمان تتعلق بالوجود العسكري، المعابر، والاقتصاد الإنساني.

التدخلات الأمريكية: إعادة ترتيب أولويات النفوذ

هندسة توازنات جديدة: واشنطن تتحرك لإعادة ترتيب أوراق النفوذ بما يخدم أولوياتها الأمنية والاقتصادية، من ضبط التصعيد الإيراني–الإسرائيلي إلى حضور انتقائي في سوريا والعراق، مع الاستفادة من أدوار تركيا والخليج في بناء مسارات تهدئة وترتيبات اقتصادية–أمنية.

العراق محور اختبار: السياسة الأمريكية تُكيّف أدواتها بين الردع والدعم المؤسسي، فيما يُختبر العراق كمنصة لنجاح نموذج (الدولة–الشريك) بدل (الساحة–الوكيل)، وهذا مرهون بقدرة بغداد على إدارة ملفات السلاح غير الحكومي والسيادة الاقتصادية–الطاقة.

السيناريوهات العملية للتعامل والتقارب

جدول مختصر للسيناريوهات واحتمالاتها

السيناريو الوصف المختصر الاحتمال القريب المخاطر الرئيسة فرصة التقارب
تهدئة مدارة استمرار اشتباك منخفض- متوسط عبر ساحات وسيطة وضبط حدودي مرتفع سوء تقدير يشعل جبهة سوريا / لبنان متوسطة عبر مسارات امنية / اقتصادية
صفقة ترتيبات

امنية

تفاهمات متعددة الأطراف تشمل لبنان/سوريا وضمانات حدودية متوسط عال تعقيد الضمانات وتضارب مصالح المحاور عالية اذا ضُمنت حوافز اقتصادية
تصعيد متعدد الساحات توسّع الضربات والوكالات دون حرب شاملة متوسط–عالٍ اتساع الدائرة إلى العراق والبحر منخفضة موقتاً
حرب مباشرة محدودة ضربات متبادلة مباشرة إيران–إسرائيل منخفض انزلاق غير مقصود إلى حرب أوسع منخفضة

مسارات سياسات واقعية

مسارات أمنية

تنظيم الردع المحلي: تعزيز قواعد الاشتباك وضبط الحدود في لبنان وسوريا لمنع انتقال نيران الوكلاء إلى مواجهة شاملة.

خفض مخاطر سوء التقدير: خطوط ساخنة إقليمية–دولية، آليات إنذار مبكر، ومراقبة مشتركة لمسرح البحر والحدود.

إدارة الوكلاء: تفاهمات تدريجية على سقوف العمليات، مقابل حوافز اقتصادية/إنسانية مرتبطة بمؤشرات أداء أمنية.

مسارات سياسية

صفقات جزئية قابلة للتحقق: ربط تهدئة لبنان بترتيبات إنسانية–اقتصادية في غزة وسوريا، مع ضمانات أمريكية–تركية–عربية، وحزمة مراقبة تنفيذ.

قنوات غير رسمية: حوارات أمنية خلفية بين أطراف متخاصمة، تستخدم وسطاء إقليميين ذوي مصداقية لتفكيك ملفات محددة (الحدود، المعابر، الأسرى)

مسارات اقتصادية–اجتماعية

حوافز مرتبطة بالأمن: مشاريع طاقة ونقل وتجارات حدودية مشروطة باستقرار ميداني؛ ربط المساعدات بإصلاحات مؤسسية قابلة للقياس.

تمكين مجتمعي: دعم البلديات والخدمات الأساسية في مناطق تماس بلبنان وسوريا لمنع تجدد التجنيد المسلّح نتيجة الفقر/الفراغ المؤسسي.

دور العراق

تحييد الساحة الوطنية: مسار وطني لضبط السلاح خارج الدولة، ونظام مساءلة تدريجي يرتبط بحوافز اقتصادية–خدمية.

دبلوماسية الجسر: مبادرات وساطة بغداد بين المحاور، واستثمار العلاقات مع تركيا والخليج وإيران لإطلاق مشاريع اقتصادية–حدودية مشتركة تخفف ضغوط التصعيد.

هل المنطقة على وشك الانفجار؟

التقدير العام: المنطقة ليست على حافة حرب شاملة بصورة حتمية، لكنها في حالة “قابلية عالية للاشتعال” بفعل تراكم ساحات الاحتكاك وارتفاع مخاطر سوء التقدير. الأكثر ترجيحًا هو استمرار نموذج التصعيد الموزّع، مع نوافذ متقطعة لصفقات جزئية إذا توفرت ضمانات وحوافز اقتصادية–سياسية حقيقية.

العامل الحاسم: نجاح مسارات التهدئة يتطلب ربط الأمن بصفقات اقتصادية–إنسانية قابلة للقياس، وتفعيل خطوط التواصل بين الخصوم، وتبنّي دور وسيط فعّال من عواصم عربية/تركيا، مع غطاء أمريكي واقعي لا يكتفي بالتصريحات بل يضمن التنفيذ.

توصية مباشرة للعراق: فرصة تحويل العراق من ساحة إلى مؤثر موجودة، لكنها تتطلب قرارًا سياسيًا بإغلاق ثغرات السلاح خارج الدولة، وبناء شراكات اقتصادية–أمنية متوازنة، واستثمار بغداد لدورها كجسر تهدئة إقليمي يربح الجميع.

الخلاصة

البيئة الاستراتيجية تغيّرت نحو سيولة عالية وصراع سرديات؛ فالحرب الشاملة بين إيران و(إسرائيل) غير مرجّحة، لكن التصعيد مرجّح، اما العراق فهو مفتاح توازن إذا تحرّك لإدارة نفوذ الأطراف وبناء قدرة مؤسسية على الردع الداخلي والوساطة الإقليمية، كذلك لبنان وسوريا يحتاجان ترتيبات أمنية بضمانات متعددة وحوافز اقتصادية للحد من هشاشة الداخل والتحوّل إلى مسارات تهدئة، أخيرا واشنطن تسعى لهندسة توازنات جديدة؛ نجاحها مرهون بإشراك وسطاء إقليميين وبصفقات ملموسة لا شعارات.

تراجع نفوذ/إعادة انتشار: الحديث عن تراجع نفوذ إيران في سوريا يترافق مع استمرار ضربات إسرائيلية تستهدف البنية اللوجستية والعسكرية للمحور، دون حسم؛ الروس يعيدون معايرة حضورهم، والأمريكيون يضغطون عبر العقوبات والانتشار المحدود شرقًا.

إمكانية ترتيبات أمنية: أطراف أمريكية تلمّح لإمكان عقد تفاهمات تُقايض ملف الأمن الإسرائيلي بصفقات سياسية في سوريا؛ واقعية التنفيذ مرهونة بتوازنات موسكو–طهران–أنقرة، وبأثمان تتعلق بالوجود العسكري، المعابر، والاقتصاد الإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *