ليست هذه رسالة مجاملة، ولا خطاب عاطفة، بل نداء عقل سياسي موجَّه إلى الإطار التنسيقي، من موقع الحرص على العملية السياسية أولًا، وعلى جمهوركم ثانيًا، وعلى ما تبقى من هيبة القرار الشيعي والدولة العراقية أخيرًا.
إن كنتم تبحثون بجدية عن إنقاذ المرحلة المقبلة، وعن حكومة قادرة على المواجهة لا على التدوير، وعن قيادة تتحمل كلفة القرار بدل الهروب منه، فالحقيقة السياسية الواضحة تقول:
نوري المالكي ليس مرشح تسوية، وليس مرشح أزمة مالية يُستدعى في الدقائق الأخيرة… بل مرشح ضرورة وطنية وسياسية للفترة القادمة.
المالكي ليس اسمًا يُطرح عند انسداد الخيارات، ولا حلًا اضطراريًا عند اقتراب الانهيار، ولا واجهة لشراء الوقت.
هو مرشح قرار مُسبق، وخيار مرحلة واعٍ، يُطرح لأن الدولة تحتاجه، لا لأن البدائل فشلت. المرحلة المقبلة لا تحتمل رئيسًا رمزيًا ولا واجهة هشة، بل رجل دولة يعرف ثمن القرار ويتحمله.
عام 2014 لم تُهدر فرصة سياسية فحسب، بل كُسرت هيبة القرار من الداخل، والأسوأ أن المرجعية الدينية زُجّ باسمها في صراع سياسي لم تكن طرفًا فيه.الرسالة التي قيل إنها وصلت إلى المرجعية آنذاك لم تكن مطابقة للحقيقة ولا وافية للوقائع، ولهذا جاء رد المرجعية على مضمون الرسالة لا على الروايات السياسية التي سُوّقت باسمها.
المرجعية ليست أداة إقصاء، ولا غطاء فشل، ومن يعيد استخدام اسمها اليوم إنما يكرر الخطأ ذاته مع وعي كامل بعواقبه.
قد يختلف البعض مع نوري المالكي، وقد يتحفظ آخرون على تجربته، لكن الدول لا تُدار بالتحفظات ولا بالمخاوف.
الواقع يقول إن لا يوجد داخل الإطار شخصية أخرى قادرة على،إدارة التناقضات داخل البيت الشيعي دون تفكيكه،فرض توازن حقيقي بين السياسة والقوة،مخاطبة الخارج من موقع الندية لا التبعية،وتحمل قرارات غير شعبوية عندما تتطلب مصلحة الدولة ذلك.
لهذا فإن المالكي خيار ضرورة، لا اسمًا يُستدعى عند الطوارئ، ولا “مرشح لحظة أخيرة” لإطفاء حرائق مالية أو سياسية.
ولا تتعكزوا على عمر المالكي وكأنه عائق.نوري المالكي من مواليد 1950، ويبلغ اليوم نحو 75 عامًا، وهو عمر سياسي طبيعي لرجل دولة في بلد مأزوم.
خذوا العبرة من النموذج الذي يُقدَّم دائمًا كمرجع،جو بايدن، الرئيس الأمريكي السابق، تجاوز الثمانين وهو في موقع القرار.دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الحالي، يبلغ نحو 79 عامًا، ويقود المشهد السياسي العالمي وسط أزمات معقدة.
وحتى في التجربة العراقية، فإن إياد علاوي حين تسلّم رئاسة الوزراء عام 2004 كان في حدود الستين من عمره، ولم يكن العمر يومها مشكلة، بل كانت “المرحلة” هي الحجة.
واليوم المرحلة أخطر وأثقل، وتحتاج خبرة أعمق لا تجارب أولى.
جمهوركم لم يصوّت لأسماء فقط، بل صوّت لشعارات رفعت سقف التوقعات،«لا تضيّعوها»… لأن اللحظة مصيرية ولا تحتمل التردد.تحالف صادقون… الصدق مع الناس، والوضوح في الموقف، وعدم المواربة في القرار.«أبشر يا عراق»… وعد الدولة القوية الآمنة المستقرة.منظمة بدر… حماية الإنجاز، الثبات، وصون تضحيات الدم.هل كانت هذه الشعارات التزامًا أم مجرد دعاية؟
إذا كانت “لا تضيّعوها” تعني شيئًا، فهذه هي اللحظة.
وإذا كان “الصدق” عنوانًا حقيقيًا، فليكن مع جمهوركم أولًا.
وإذا كان “أبشر يا عراق” وعدًا، فالعراق اليوم لا يُبشَّر إلا بدولة قوية.
وإذا كانت تضحيات الدم خطًا أحمر، فلا تُفرّطوا بقيادة قادرة على حمايتها سياسيًا.
المرحلة القادمة ليست مرحلة تسويات هشة، ولا مرحلة ترقيع مالي أو إدارة أزمات مؤقتة، بل مرحلة إعادة ضبط الدولة واستعادة القرار.
نوري المالكي ليس مرشح تسوية،ولا مرشح أزمة آخر لحظة،بل مرشح ضرورة للفترة القادمة.ومن لا يملك شجاعة هذا القرار اليوم،
سيتحمل كلفة الهروب منه غدًا.


