عار الأرقام ، وهزيمة الإرادة

عار الأرقام ، وهزيمة الإرادة
يقارن الطرح بالأرقام بين إسرائيل والعالم العربي ليكشف أن الخلل ليس في العدد ولا الجغرافيا، بل في الإرادة والصمت المُؤدلج، مؤكدًا أن الهزيمة هزيمة معنى وقرار قبل أن تكون هزيمة قوة، وداعيًا إلى يقظة أخلاقية وسياسية....

مقارنةٌ مقيتة تكشف عار الصمت، لكنها رغم قسوتها تحمل الحقيقة كاملة بلا رتوش . دعونا نترك العاطفة جانباً، ولنتحدث بلغةٍ لا تُجامل ولا تُزيّف الواقع .. لغة الأرقام .. تلك التي لا تملك قلباً لتخون، ولا لساناً ليكذب . عشرة ملايين فقط هم سكان إسرائيل، في مقابل ما يقرب من أربعمئة وثمانين مليون عربي . دولة صغيرة بمساحة لا تتجاوز 20,770 كيلومتر مربع، تقف في مواجهة وطنٍ عربي يمتد فوق ما يزيد على ثلاثة عشر مليون كيلومتر مربع .. بمدنه، بحاره، جباله، وصحاريه . الأرقام لا تحتاج إلى بلاغة لشرحها، فهي فاضحة بذاتها، صارخة في معناها، قاسية في دلالتها .

كل إسرائيلي تقابله كثافة عددية عربية تصل إلى ثمانيةٍ وأربعين إنسانًا، ومع ذلك، فإن المعادلة على أرض الواقع تبدو وكأنها معكوسة .. وكأن هذا الامتداد العربي الهائل اختُزل فجأة في مساحة مدينة صغيرة، بلا صوت، بلا فعل، بلا تأثير يليق بحجمه وتاريخه وحضارته . لسنا أمّة قليلة العدد، ولا ضيقة الأرض، ولا فقيرة الإمكانات. نحن أمّة أنهكتها الخيبات، وشلّتها الحسابات، وروّضها الخوف حتى صار الصمت يُقدَّم في خطابنا على أنه حكمة، والسكوت يُباع لنا على أنه تعقّل سياسي، وكأن الأمّة التي تصمت طويلًا تنجو من قدرها، أو تُحفظ لها كرامتها بالصمت !! إن ضعفنا لم يُولد من قلة، ولا من عجزٍ في الموارد، ولا من غياب الإمكانات. الضعف جاء من جبنٍ مؤجّل نُربيه في صدورنا جيلًا بعد جيل، ومن تخلّي متراكم لم تعد الذاكرة تستطيع أن تُحصي نسخه المتكررة، ومن وعيٍ اختار النوم في اللحظة التي كان يجب أن يستيقظ فيها التاريخ . لسنا أمة بلا صوت .. نحن أمة خُنق صوتها، ثم اعتادت خنقه حتى ظنّت أن الصمت جزءٌ من طبيعتها. لسنا أمة بلا غضب .. نحن أمة حُوّل غضبها إلى بيانات ناعمة، وشعارات تُرفع في الهواء ثم تتبخر قبل أن تلامس الأرض. إنها ليست هزيمة أرقام، بل هزيمة إرادة. الهزيمة ليست أن يكون عدوك أقوى، بل أن تختار أنت أن تكون أضعف .

ليست المشكلة أن يملك غيرك سلاحًا أكثر تطورًا، بل أن تقتل أنت ما تبقى في داخلك من عزيمة. وحين تعجز أمة بهذا الثقل البشري والتاريخي والجغرافي والثقافي عن الفعل، فالمشكلة لا تكون في العدو .. المشكلة في الذات. في عقلٍ يرفض أن يفكّر خارج دائرة الخوف، وفي قلبٍ لا يجرؤ أن يشتعل بصدق، وفي ضميرٍ اعتاد أن يساوم بين القيم والمصالح حتى فقد القدرة على التمييز بين الشرف والعار . نحن أمام مفارقة أخلاقية قبل أن تكون سياسية . أمام سؤال تاريخي لا يُمكن الهروب منه: كيف تحوّل شعب قليل العدد، محدود الجغرافيا، إلى قوةٍ تُحسب لها ألف حساب، بينما أصبحت أمّة بهذا الامتداد مجرد متفرّجٍ كبير؟ كيف انقلبت الموازين حتى صار المحتل أكثر قدرة على صناعة المشهد من أصحاب الأرض والتاريخ ؟ هذا السؤال لا يلوم الجماهير وحدها، ولا يُبرئ الأنظمة وحدها، لكنه يضع الجميع أمام المرآة .

الإرادة السياسية حين تُسجن داخل الخوف، وحين تُدار بمنطق الحفاظ على الكرسي بدل الحفاظ على الكرامة، وحين تُغلف المصالح الشخصية بثياب الحكمة الوطنية، تتشكّل النتيجة التي نراها اليوم. والجماهير حين تُستهلك في تفاصيل يومية تافهة، وتُغرق في صراعات داخلية، وتُربّى على الخضوع لا المشاركة، وعلى الانتظار لا المبادرة، تتحول شيئًا فشيئًا إلى شعوب متقزّمة الإرادة… تعرف الحقيقة، تحفظ الأرقام، لكنها تفضّل الصمت، إما خوفًا، وإما يأسًا، وإما لأن الاعتياد على الوجع يصنع نوعًا من البلادة الروحية .

لسنا بحاجة لمن يشرح لنا ميزان القوى، ولا من يحصي لنا ما نملك وما لا نملك. نحن بحاجة لمن يوقظ تلك الروح الغافية تحت ركام الخيبة. بحاجة إلى وعيٍ جديد يدرك أن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، وأن الأمم التي تتنازل كثيرًا تفقد حقها في الاحترام قبل أن تفقد حقها في الانتصار . بحاجة إلى إدراك أن الكرامة ليست شعارًا، بل قرارًا .. وأن الصمت الموصوف بالحكمة، إذا طال أكثر مما يجب، يتحول إلى شراكة في الهزيمة . الهزيمة التي نعيشها اليوم ليست هزيمة سلاح فحسب، بل هزيمة معنى… معنى الأمة، معنى الكرامة، معنى الانتماء، ومعنى أن يكون للإنسان العربي مكان في هذا العالم لا يقف فيه دائمًا على هامش الحدث . نعم، المشكلة ليست في العدو… المشكلة في أمة تعرف الحقيقة، وتحفظ الأرقام، ثم تختار بإرادتها –أو بصمتها– أن تخون معناها. أمة اعتادت أن تبرر ضعفها بدل أن تواجهه، وأن تتعايش مع الجرح بدل أن تُداويه، وأن تنظر إلى السماء بعيون باكية بدل أن تقف على الأرض بقلوب قوية .

وفي النهاية، لا شيء يلخّص واقعنا أكثر من الحكمة الخالدة: “كما تكونوا يُوَلَّى عليكم.” فحين تختار أمّة أن تُصغر نفسها، يصغرها التاريخ .. وحين تتقزم الإرادة، تتقزم معها الأوطان مهما كبر حجم خرائطها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *