تأتي مهمة الكولونيل ستيفانا باغلي، بصفتها مديرة لمكتب التعاون الأمني الأميركي في العراق، في لحظة سياسية وأمنية بالغة التعقيد، حيث يمر العراق بمرحلة إعادة تموضع شاملة للدولة، لا على مستوى الخطاب فحسب، بل على مستوى الوظائف والأدوار وحدود النفوذ داخل المنظومة الأمنية.
هذه المرحلة لا يمكن فصلها عن التحولات الإقليمية والدولية، ولا عن الضغوط المتراكمة التي دفعت باتجاه إعادة تعريف مفهوم السيادة، وأدواتها، وطبيعة الشراكات الخارجية التي تحكمها.
من حيث السياق العام، يختلف حضور التعاون الأمني الأميركي اليوم عن مراحله السابقة بعد عام 2003. ففي تلك المرحلة، كان الوجود الأميركي قائماً على منطق الإدارة المباشرة، وإعادة بناء الدولة من الأعلى إلى الأسفل، وسط فراغ مؤسسي وانهيار كامل للبنى الأمنية.
أما اليوم، فإن المقاربة تبدو أكثر هدوءاً وأقل صخباً، لكنها لا تقل عمقاً من حيث التأثير.
فالهدف لم يعد إدارة المشهد، بل إعادة تنظيمه، وضبط إيقاعه، ومنع انزلاقه خارج المسارات التي تراها (واشنطن )منسجمة مع توازنات الإقليم ومتطلبات النظام الدولي ومتوافقة مع رويتها تجاه المنطقة وفق مسارات محددة تخدم مصالحها واستراتيجياتها .
القبول السياسي المتزايد بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة يشكل نقطة ارتكاز أساسية في هذه المرحلة.
هذا القبول، سواء جاء بدافع القناعة أو تحت ضغط الواقع والاشتباك الدولي، أعاد فتح ملف دور المؤسسات الأمنية الرسمية، وحدود الفعل المسلح خارجها.
وهنا يبرز دور مكتب التعاون الأمني بوصفه أداة تنسيق وإشراف استراتيجي، تعمل على إعادة تعريف معايير “الاحتراف” و“الفاعلية” داخل الأجهزة الأمنية، وربطها بسلسلة من الالتزامات الفنية والسياسية غير المعلنة لتحقيق اطمئنان وثقة بهذا الالتزام .
لا يبدو أن مهمة باغلي تتجه نحو التدخل التنفيذي أو فرض قرارات مباشرة، بل نحو العمل على تفكيك القيود التي كبّلت عمل المؤسسات الأمنية خلال السنوات الماضية، سواء تلك المرتبطة بازدواجية القرار، أو بتداخل الصلاحيات، أو بتسييس الوظيفة الأمنية.
هذا المسار ينسجم مع الرؤية الأميركية التي ترى أن مشكلة الدولة العراقية لم تعد في نقص القوة، بل في سوء إدارتها، وفي غياب مركز قرار منضبط قادر على تحويل القوة إلى أداة استقرار لا أداة صراع.
في هذا الإطار، يمكن قراءة الحضور الأميركي الحالي بوصفه جزءاً من عملية انتقال العراق من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى مرحلة “إدارة التوازنات”.
فالدولة لم تعد في وضع الانهيار الذي يفرض حلولاً طارئة، لكنها أيضاً لم تبلغ بعد مستوى الاستقرار الذي يسمح لها بالتحرك بحرية كاملة امام التحديات والازمات التي تحيط بالمنطقة .
وبين هذين الحدين، يجري العمل على إعادة هندسة العلاقة بين السياسة والأمن، وبين الداخل والخارج، بما يضمن بقاء العراق ضمن معادلة التوازن لا ضمن دائرة الصدام.
غير أن هذا المسار لا يخلو من المخاطر. فإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية وفق معايير خارجية، حتى وإن رُفعت تحت عناوين مهنية، تظل مرتبطة بسؤال السيادة وحدود القرار الوطني.
كما أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهوناً بقدرة النخبة السياسية العراقية على تحويل الدعم الخارجي إلى فرصة لبناء دولة متماسكة، لا إلى آلية جديدة لإدارة الانقسام أو تدوير الأزمات بصيغ أكثر هدوءاً.
في المحصلة، تمثل مهمة ستيفانا باغلي مؤشراً على مرحلة انتقالية دقيقة، لا تتسم بالدراما السياسية التي طبعت سنوات ما بعد الاحتلال، لكنها تحمل في طياتها إعادة رسم هادئة لقواعد اللعبة الأمنية.
وهي مرحلة قد تفتح الباب أمام استقرار نسبي قائم على التوازن، أو تعيد إنتاج الإشكاليات القديمة بأدوات مختلفة، إذا لم تُقابل برؤية وطنية واضحة تستعيد مفهوم الدولة بوصفه قراراً مستقلاً قبل أن يكون تنسيقاً دولياً ، وعلى قادة الكتل السياسية ان تتقن لعبة الحوار من اجل تحقيق مصالح العراق وشعبه دون اذى او انتقاص للسيادة .


